ابراهيم بن محمد البيهقي

350

المحاسن والمساوئ

وأعلم أنّي ميّت لا محالة * فلا جزعا إن كنت ذلك تعلم فأراد خوذة قتله فمنعه أصحابه حتى يذهبوا به إلى حارثة . فلمّا انتهوا إليه قال له حارثة : يا كليب أنت أسير . فقال : من ير يوما ير به ! فذهبت مثلا . فدفعه إلى خوذة فخنقه حتى مات . ومنهم هدبة بن خشرم قتل ابن عمّ له يسمّى زيادة بن زيد فحبس ليقاد به ، فلم يزل محبوسا حتى شبّ ابن المقتول فدخل عليه السجن وهو يلاعب صاحبا له بالشطرنج فقيل له : قم إلى القتل ! فقال : حتى أفرغ من لعبتي فلمّا فرغ خرج وجعل يهرول . فقيل له : ما بالك تأتي الموت هكذا ؟ فقال : لا آتيه إلّا شدّا . فلقيه عبد الرحمن بن حسّان فقال : أنشدني . فأنشده : ألا علّلاني قبل نوح النّوائح * وقبل اطّلاع النّفس بين الجوانح وقبل غد يا لهف نفسي على غد * إذا راح أصحابي ولست برائح إذا راح أصحابي وخلّفت ثاويا * بداويّة بين المتان الضّحاضح قال : ثمّ أقعد ليقاد فنظر إلى أبويه فقال : أبلياني اليوم صبرا منكما * إنّ حزنا منكما باد لشرّ لا أرى ذا الموت يبقي أحدا * إنّ بعد الموت دار المستقرّ ثمّ نظر إلى امرأته فقال لها : لا تنكحي إن فرّق الدّهر بيننا * أغمّ القفا والوجه ليس بأنزعا وكوني حبيسا أو لأروع ماجد * إذا ضنّ أغساس الرّجال تبرّعا فمالت زوجته إلى جزّار فأخذت مديته فقطعت بها أنفها وجاءته مجدوعة فقالت : أتخاف أن يكون بعد هذا نكاح ؟ فرسف « 1 » في قيوده وقال : الآن طاب الموت . فلمّا قدّم ليقاد بابن عمّه وأخذ ابن زيادة السيف فضوعفت له الدية حتى بلغت مائة ألف درهم ، فخافت أمّ الغلام أن يقبل ابنها الدية ولا يقتله فقالت : أعطي اللّه عهدا لئن لم تقتله لأتزوّجنّه فيكون قد قتل أباك ونكح أمّك ! فقتله . قال : ولمّا واقع طلحة والزبير عثمان بن حنيف عامل علي بن أبي طالب ، رضي اللّه ، عنه على البصرة خرج حكيم بن جبلة العبديّ فشدّ عليه رجل من أصحاب طلحة فقطع رجله ، فزحف إلى رجله حتى أخذها ورمى بها قاطعها فقتله ، ويقول : يا رجل لا تراعي ، فإنّ معي ذراعي . ثمّ حبا إلى المقتول فاتّكأ عليه . فقيل له : يا حكيم من ضربك ؟ فقال : وسادتي .

--> ( 1 ) الرسف : هو مشي المقيد .