ابراهيم بن محمد البيهقي
345
المحاسن والمساوئ
نزل وقبض على عنان الفرس ، وكان عنانه ملبسا ذهبا ، فوجد الراعي غفلة من بهرام فأخرج من خفّه سكّينا فقطع به أطراف اللجام ، فرفع بهرام رأسه فنظر إليه فاستحيا ورمى بطرفه إلى الأرض وأطال الاستبراء ليأخذ الراعي حاجته من اللجام ، وجعل الراعي يفرح بإبطائه عنه حتى إذا ظنّ أنّه قد فرغ وأخذ من اللجام حاجته قال : يا راعي قدّم إليّ فرسي فإنّه سقط في عينيّ شيء . وغمّض عينه لئلّا يوهمه أنّه يتفقد حلية اللجام ، فقرّب الراعي منه فرسه فركبه . فلمّا ولّى قال له الراعي : أيّها العظيم كيف آخذ إلى موضع كذا وكذا مكانا بعيدا ؟ قال بهرام : وما سؤالك عن هذا الموضع ؟ قال : هناك منزلي وما وطئت هذه الناحية قطّ غير يومي هذا ولا أراني أعود إليه أبدا . فضحك بهرام وفطن لما أراده الراعي وقال : أنا رجل مسافر وأنا أحقّ بأن لا أعود إلى ما هاهنا أبدا . ثمّ مضى ، فلمّا نزل عن فرسه قال لصاحب مراكبه : إن معاليق اللجام وهبتها لسائل مرّ بي فلا تتّهم أحدا . وحكي عن أنوشروان أنّه قعد في يوم نيروز أو مهرجان ووضعت الموائد ودخل وجوه الناس وكسرى بحيث يراهم ولا يرونه . فلمّا فرغ الناس من الطعام وجاءوا بالشراب في آنية الفضّة وجامات الذهب فشرب الأساورة وأهل الطبقة العالية في آنية الذهب . فلمّا انصرف الناس ورفعت الموائد أخذ بعض أولئك القوم جام ذهب فأخفاه في قبائه وأنوشروان يلحظه فصرف وجهه عنه ، وافتقد صاحب الشراب الجام فصاح : لا يخرجنّ أحد من الدار حتى يفتّش ! فقال كسرى : لا يعرضنّ لأحد . وانصرف الناس . فقال صاحب الشرب : إنّا قد فقدنا بعض آنية الذهب . فقال الملك : صدقت ، أخذها من لا يردّها ورآها من لا يخبرك بها . وحكي عن معاوية بن أبي سفيان أنّه قعد للناس في يوم عيد ووضعت الموائد وبدر الدراهم للجوائز والصلات . فجاء رجل من الجماعة فقعد على كيس فيه دنانير والناس يأكلون . فصاح به الخدم : تنحّ فليس لك هذا الموضع ! فسمع معاوية وقال : دعوا الرجل حيث أحبّ . وأخذ الكيس وقام فلم يجسر أحد أن يدنو منه ، فقال الخدم : أصلح اللّه الأمير ! إنّه قد نقص من المال كيس فيه دنانير ! فقال : أنا صاحبه وهو محسوب عليّ لكم . وأحسن من هذا ما فعله جعفر بن سليمان بن عليّ وقد عثر برجل أخذ درّة رائعة ثمينة