ابراهيم بن محمد البيهقي
336
المحاسن والمساوئ
فما وجدنا جوابا أحسن من هذا . وقيل : إنّه عزم الفضل بن الربيع على تطهير بعض ولده فأتى الرشيد فقال : يا سيّدي قد عزم عبدك على تطهير ولده خدمك فإن رأى أمير المؤمنين أن يزيّن عبده بنفسه ويصل نعمته هذه بنعمته المتقدّمة ويتمّ سروره فعل متفضّلا على عبده متمنّنا بذلك . فقال : نعم . فغدا إليه وقد أصلح جميع ما يحتاج إليه ووضعت الموائد وقعد الناس يأكلون وأقبل الرشيد يدور في داره ، فرأى صبيّا صغيرا أوّل ما نطق فقال : يا صبيّ أيّما أحسن داركم هذه أم دار أمير المؤمنين ؟ فقال : دارنا هذه أحسن ما دام أمير المؤمنين فيها فإذا صار أمير المؤمنين إلى داره فداره أحسن . فضحك منه الرشيد وتعجّب من نجابته ووهب له عشر قريات ومائة ألف درهم . وقال مسلمة بن عبد الملك : ما شيء يؤتاه العبد بعد الإيمان باللّه أحبّ إليّ من جواب حاضر ، فإنّ الجواب إذا تعقّب لم يك شيئا . وأنشد في مثله في مالك بن أنس صاحب الفقه : يأبى الجواب فما يراجع هيبة * والسّائلون نواكس الأذقان هذا التّقيّ وعزّ سلطان التّقى * فهو المطاع وليس ذا سلطان مساوئ الجواب قيل : إنّه اجتمع عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم ، فذكر عمرو الزبرقان فقال : بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه ، إنّه لمطاع في أدانيه شديد العارضة جواد الكفّ مانع لما وراء ظهره . فقال الزبرقان : بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه ، واللّه إنّه ليعرف مني أكثر من هذا ولكنه يحسدني . فقال عمرو : واللّه يا نبي اللّه إنّه لزمر المروءة ضيّق العطن لئيم العمّ أحمق الخال ، واللّه ما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الأخرى ولكني رضيت فقلت بأحسن ما أعلم وسخطت فقلت بأسوإ ما أعلم . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إنّ من البيان لسحرا » « 1 » . وذكروا أن الوليد بن عقبة قال لعقيل بن أبي طالب : غلبك أبو تراب على الثروة والعدد . فقال له : نعم وسبقني وإيّاك إلى الجنّة . فقال الوليد : أما واللّه إنّ شدقيك لمتوضّمتان من دم عثمان . فقال عقيل : ما لك ولقريش وإنما أنت فيهم كمنيح الميسر . فقال الوليد : واللّه إني لأرى لو أن أهل الأرض اشتركوا في قتله لوردوا صعودا . فقال له عقيل : كلاما ترغب له عن صحبة أبيك . قال : وقال المنصور لقوّاده : صدق القائل أجع كلبك يتبعك . فقال أبو العبّاس الطوسيّ : يا أمير المؤمنين أخاف أن يلوّح له رجل برغيف فيتبعه ويدعك .
--> ( 1 ) ذكره الإمام مالك في الموطأ ( 986 ) ، والهيثمي في مجمع الزوائد ( 8 / 117 ) .