ابراهيم بن محمد البيهقي

323

المحاسن والمساوئ

إظهار شكر الموهوب له صفح القادر عن الذنوب ، ومن تمام السؤدد حفظ الودائع واستتمام الصنائع ، وقد كنت أودعت العريان نعمة من نعمك فسلبتها عجلة سخطك ، وما أنصفته إذ غصبته على أن ولّيته ثمّ عزلته وخلّيته ، وأنا شفيعه فأحبّ أن تجعل له من قلبك نصيبا ولا تخرجه من حسن رأيك فيضيع ما أودعته ويتوى ما أفدته . فعفا عنه . قال : وغضب سليمان بن عبد الملك على أبي عبيدة مولاه فشكا إلى سعيد بن المسيّب ذلك ، فكتب إليه : أمّا بعد فإنّ أمير المؤمنين في الموضع الذي يرتفع قدره عن أن تعصيه رعيّته وفي عفو أمير المؤمنين سعة للمسلمين . فرضي عنه . قال : وطلب العتّابيّ من رجل حاجة فقضى له بعضها وماطله ببعض . فكتب إليه : أمّا بعد فقد تركتني منتظرا لرفدك وصاحب الحاجة محتاج إلى نعم هنيئة أو لا مريحة ، والعذر الجميل أحسن من المطل الطويل ، وقد كتبت : بسطت لساني ثمّ أوثقت نصفه * فنصف لساني بامتداحك مطلق فإن أنت لم تنجز عداتي تركتني * وباقي لسان الشّكر باليأس موثق قال : ولمّا بنى المهديّ بريطة ابنة أبي العبّاس كتب إليه يحيى بن سعد بن قيس الأنصاريّ : أدام اللّه لك جميل عاداته عندك وأوتر ما يجري به القدر لك ولا زالت يد اللّه تحوطك في المحبوب وتدرأ عنك المكروه ، وهنئت بهذه النعمة وملّيتها أمنا من زوالها بطول البقاء والمدّة . فقال له ريطة : ما لهذا الكلام ثمن ! فقال : وكيف ونحن أطلقنا بإحساننا إليه وإنعامنا عليه لسانه فينا وسنزيده من الثواب لثنائه علينا . قال : وأمر الرشيد جعفر بن يحيى أن يعزل أخاه الفضل بن يحيى عن الخاتم ويقبضه إليه قبضا لطيفا ، فكتب إلى أخيه : قد رأى أمير المؤمنين أن تنقل خاتم خلافته عن يمينك إلى شمالك ، فكتب إليه الفضل : ما انتقلت عني نعمة صارت إليك ولا خصّتك دوني . أحمد بن يوسف الكاتب قال : أمرني المأمون أن أكتب إلى الآفاق في الاستكثار من المصابيح في المساجد ، فلم أدر كيف أكتب لأنّه شيء لم أسبق إليه فأسلك طريقته ومعناه ، فأتاني آت في منامي وقال لي : اكتب : فإنّ فيها أنسا للمجتهدين ، وأضاء للسائلين ، ونفيا لتكامن الريب ، وتنزيها لبيوت اللّه عزّ وجلّ عن وحشة الظلم . فكتب بذلك . قال : وكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون في رجل من بني ضبّة يستشفع إليه في زيادة في منزلته وجعل كتابته تعريضا : أمّا بعد فقد استشفع بي فلان يا أمير المؤمنين لتطولك في إلحاقه بنظرائه من الخاصّة فيما يرتزقون ، فأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين ، وفي ابتدائه بذلك تعدّي طاعته والسلام . فكتب إليه المأمون : قد عرفنا توطئتك