ابراهيم بن محمد البيهقي

288

المحاسن والمساوئ

وقال خالد بن صفوان : دخلت على أبي العبّاس وهو خالي المجلس فقلت : يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تأمر بحفظ الستر لألقي إليك شيئا أنصحك به أو قال فيه . فامر بذلك . فقلت : يا أمير المؤمنين فكّرت في هذا الأمر الذي ساقه اللّه إليك ومنّ به عليك فرأيتك أبعد الناس من لذّاته وأتعب الخلق فيه . قال : وكيف ذاك يا خالد ؟ قلت : باقتصارك من الدنيا على امرأة واحدة وتركك البيضاء المشتهاة لبياضها والخضرة التي تراد لخضرتها والسمينة المشتهاة لوطائها وذكرت الرشيقة الرخيمة والجعدة السّبطة ، فقال : يا خالد هذا أمر ما مرّ بسمعي ! فاستأذن في الانصراف فأذن له . وخرجت إليه أمّ سلمة وهو ينكت بالقلم على دواة بين يديه ، فقالت : يا أمير المؤمنين أراك مفكّرا ، أنتفض عليك عدوّ ؟ قال : كلا ولكن كلام ألقاه إليّ خالد بن صفوان فيه نصيحتي . وشرح ذلك لها . قالت : فما قلت لابن الزانية ؟ قال : ينصحني وتشتمينه ! فقامت عنه وبعثت إلى مائة من مواليها فقالت لهذا اليوم اتّخذتكم وأعددتكم ! امضوا إلى خالد بن صفوان فحيث وجدتم خالدا فاهووا إلى أعضائه عضوا عضوا فرضّوها . فطلبت ومررت بقوم أحدّثهم إذ أقبل القوم فدخلت في جملتهم ولجأت إلى دار ووقعت البغلة فرضّوها بالأعمدة وبقيت لا تظلّني سماء ولا تقلّني أرض . فإني جالس ذات يوم إذ هجم عليّ قوم فقالوا : أجب أمير المؤمنين . فقمت ولا أملك من نفسي شيئا حتى دخلت عليه وهو في ذلك المجلس وأنا أسمع حركة من وراء الستر فقلت أمّ سلمة واللّه . فقال : يا خالد من أين ترى ؟ قلت : كنت في غلّة لي . ثمّ قال : الكلام الذي كنت ألقيته إليّ في بعض الأيّام أعدّه عليّ . قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، إنّ العرب اشتقّت اسم الضرّ من اسم الضرّتين ، وإنّ الضرائر شرّ الذخائر ، والإماء آفة المنازل ، ولم يجمع رجل بين امرأتين إلّا كان بين جمرتين تحرقه واحدة بنارها وتلحقها أخرى بشرارها . قال : ليس هذا هو ! قلت : بلى . قال : ففكر . قلت : نعم يا أمير المؤمنين ، وأخبرتك أنّ الثلاث إذا اجتمعن كنّ كالأثافي المحرقة ، وأنّ الأربع يتغايرن فلا يصبرن ويتعالين فلا يهوين ، وإن أعطين لم يرضين . قال : لا واللّه ما هو هذا . قلت : يا أمير المؤمنين وأخبرتك أن الأربع همّ ونصب وضجر وصخب إنّما صاحبهنّ بين حاجة تطلب وبليّة تترقّب ، إن خلا بواحدة منهنّ خاف شرّ الباقيات ، وإن آثرها كنّ له أعدى من الحيّات ، وأخبرتك أنّ الجواري رجال لا خصى لهنّ وخرق لا حياة معهنّ . قال : لا واللّه ما هو هذا ! قلت : بلى إنّ بني مخزوم ريحانة العرب وكنانة بيت قريش ، وعندك ريحانة الرياحين وسيّدة نساء العالمين ، وحدّثتني أنّك تهمّ بالتزوّج فقلت لك هيهات تضرب في حديد بارد ليس ذلك بكائن آخر الزمان المعاين ! قال : ويلك أتستعمل