ابراهيم بن محمد البيهقي

276

المحاسن والمساوئ

فإن سطوت فبذنوبنا وإن عفوت فبحلمك والحجّة لك علينا . فقال الحجّاج : أنت واللّه أحبّ إلينا قولا ممّن يدخل علينا وسيفه يقطر من دمائنا ويقول : واللّه ما فعلت وما شهدت ، أنت آمن يا شعبيّ ! فقلت : أيّها الأمير اكتحلت واللّه بعدك السهر واستحلست « 1 » الخوف وقطعت صالح الأخوان ولم أجد من الأمير خلفا . فقال : صدقت فانصرف . فانصرفت . محاسن كتمان السر قال : كان المنصور يقول : الملوك تحتمل كلّ شيء من أصحابهم إلّا ثلاثا : إفشاء السرّ ، والتعرّض للحرم ، والقدح في الملك . وكان يقول : سرّك من دمك فانظر من تملّكه . وكان يقول : سرّك لا يطلع عليه غيرك . إنّ من أنفذ البصائر كتمان السرّ حتى يبرم المبروم . وقيل لأبي مسلم صاحب الدولة : بأيّ شيء أدركت هذا الأمر ؟ فقال : ارتديت بالكتمان واتّزرت بالحزم وحالفت الصبر وساعدت المقادير فأدركت ظنّي وحزت حدّ بغيتي ، وأنشد : أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت * عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا ما زلت أسعى عليهم في ديارهم * والقوم في غفلة بالشّام قد رقدوا حتى ضربتهم بالسّيف فانتبهوا * من نومة لم ينمها قبلهم أحد ومن رعى غنما في أرض مسبعة * ونام عنها تولّى رعيها الأسد قال : وقال عبد الملك بن مروان للشعبيّ ، لمّا دخل عليه : جنّبني خصالا أربعا : لا تطرينّي في وجهي ، ولا تجرينّ عليّ كذبة ، ولا تغتابنّ عندي أحدا ، ولا تفشينّ لي سرّا . وقال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان فإنّ كلّ ذي نعمة محسود » « 2 » . وأنشد المنقريّ في ذلك : النّجم أقرب من سرّ إذا اشتملت * منّي على السّرّ أضلاع وأحشاء وقال غيره : ونفسك فاحفظها ولا تفش للورى * من السّرّ ما يطوي عليه ضميرها فما يحفظ المكتوم من سرّ أهله * إذا عقد الأسرار ضاع كبيرها من القوم إلّا ذو عفاف يعينه * على ذاك منه صدق نفس وخيرها قال : وقال معاوية بن أبي سفيان : أعنت على عليّ ، رضي اللّه عنه ، في أربع خصال :

--> ( 1 ) استحلست : مأخوذة من الحلس وهو ما يجلس عليه : أي افترشت الخوف . ( 2 ) ذكره أبو نعيم في الحلية ( 5 / 215 ) ، وابن عبد البر في التمهيد ( 10 / 152 ) .