ابراهيم بن محمد البيهقي
266
المحاسن والمساوئ
ولا يتواصلون تواصل الجيران ، قد طحنهم بكلكله البلى وأكلتهم الجنادل والثرى . ثمّ قال : إنّ الأزواج بعدكم قد نكحت ، إلى آخر الخبر . مساوئ صفة الدنيا قال الحسن البصريّ : بينا أنا أطوف بالبيت إذا أنا بعجوز متعبّدة ، فقلت : من أنت ؟ فقالت : من بنات ملوك غسان . قلت : فمن أين طعامك ؟ قالت : إذا كان آخر النهار في كلّ يوم تجيئني امرأة متزيّنة فتضع بين يديّ كوزا من ماء ورغيفين . قلت لها : أتعرفين المرأة ؟ قالت : اللهمّ لا . قلت : هذه الدنيا خدمت ربّك جلّ وعزّ فبعث إليك بالدنيا فخدمتك على رغم أنفها . وزعموا أن زياد ابن أبيه مرّ بالحيرة فنظر إلى دير هناك فقال لحاجبه : ما هذا ؟ قال : دير حرقة بنت النعمان بن المنذر . فقال : ميلوا بنا إليها نسمع كلامها . فجاءت إلى وراء الباب فكلّمها الخادم فقال لها : كلّمي الأمير . فقالت : أوجز أو أطيل ؟ قال : بل أوجزي . قالت : كنّا أهل بيت طلعت الشمس وما على الأرض أعزّ منّا غابت تلك الشمس حتى رحمنا عدوّنا . قال : فأمر لها بأوساق من شعير . فقالت : أطعمتك يد شبعى جاعت ولا أطعمتك يد جوعى شبعت . فسرّ زياد بكلامها وقال لشاعر : قيّد هذا الكلام لا يدرس فقال : سل الخير أهل الخير قدما ولا تسل * فتى ذاق طعم الخير منذ قريب وفي مثل هذا قول أعرابيّ وقد دعا لرجل بره : مسّتك يد أصابت فقرا بعد غنى ولا مسّتك يد أصابت غنى بعد فقر . ويقال : إن فروة بن إياس بن قبيصة انتهى إلى دير حرقة بنت النعمان فألفاها وهي تبكي . فقال لها : ما يبكيك ؟ فقالت : ما من دار امتلأت سرورا إلّا امتلأت ثبورا ، ثمّ قالت : فبينا نسوس النّاس والأمر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة نتقسّم وقالت : فأفّ لدنيا لا يدوم نعيمها * وأفّ لعيش لا يزال يهضّم قال : وقالت حرقة بنت النعمان لسعد بن أبي وقّاص : لا جعل اللّه لك إلى لئيم حاجة وعقد لك المنن في أعناق الكرام ، ولا أزال بك عن كريم نعمة ، ولا أزالها بغيرك إلّا جعلك السبب لردّها عليه . قال وقال عبد الملك بن مروان لسلمة بن زيد الفهمي : أيّ الزمان أدركت أفضل وأيّ الملوك ؟ فقال : أمّا الملوك فلم أر إلّا ذامّا أو حامدا ، وأمّا الزمان فيضع قوما ويرفع آخرين