ابراهيم بن محمد البيهقي
264
المحاسن والمساوئ
فمن أرجو سواه بكشف ضرّ * وبلوى حين أجهد في الدّعاء وشكوائي إلى ملك عظيم * جليل لا يصمّ عن الدّعاء مساوئ من لم يتورّع ابن أبي العرجاء قال : أراد موسى بن داود بن عليّ بن عبد اللّه بن العبّاس الخروج إلى الحج فدعا بأبي دلامة فقال له : تهيّأ حتى تخرج معنا ، وأعطاه عشرة آلاف درهم وقال : خلّف لعيالك ما يكفيهم . وإنما أراد موسى أن يأنس به في طريقه ويحدّثه بنوادره وملحه ويسامره بالليل والنهار وينشده الأشعار . وكان أبو دلامة يفي بذلك كلّه مع ظرف كان فيه ولطف ، وكان من أبراز الملوك . فلمّا حضر خروج موسى هرب إلى السواد بالكوفة فجعل يشرب من خمرها ويتمتّع في نزهتها ، وقد سأل عنه موسى فقيل له : استتر ، فطلبه تحت كلّ حجر فلم يقدر عليه فخاف أن يفوته الحجّ فلمّا أيس منه قال : اتركوه إلى نار اللّه وحرّ سقره ، وخرج ، فلمّا شارف القادسيّة نظر إلى أبي دلامة قد خرج من قرية يريد أخرى ، فبصروا به وأتوه به . فقال : قيّدوه وألقوه في المحمل ، ففعل به ذلك ، وأنشأ يقول : يا معشر النّاس قولوا أجمعين معا * صلّى الإله على موسى بن داود أمّا أبوك فعين الجود تعرفه * وأنت أشبه خلق اللّه بالجود نبّئت أنّ طريق الحجّ معطشة * من الطّلاء وما شربي بتصريد « 1 » واللّه ما بي من خير فتطلبه * في المسلمين ولا ديني بمحمود إني أعوذ بداود وتربته * من أن أحجّ بكرة يا ابن داود فقال موسى : ألقوه من المحمل عليه لعنة اللّه ودعوه يذهب إلى سقر اللّه ! فألقي عن المحمل ومضى موسى لوجهه . فما زال أبو دلامة بالسواد يشرب من خمرها ويتمتع في نزهتها حتى أتلف العشرة الآلاف الدرهم مع إخوانه وندمائه ، وانصرف موسى فدخل عليه أبو دلامة يهنئه ، فلمّا بصر به قال : يا محارف أتدري ما فاتك ؟ فقال : واللّه يا سيدي ما فاتني ليل ولا نهار ، يعني اللهو والقصف ، ثمّ أنشده مديحا له فيه ، فاستحسنه وأمر له بجائزة . قيل : وكان جنديّ بقزوين يصلّي في بعض المساجد فافتقده المؤذّن أيّاما فقرع عليه الباب فخرج إليه . فقال له المؤذن : أبو من ؟ قال : أبو الجحيم . قال : بس ردّ يا هذا الباب . قال وقيل للقينيّ : ما أيسر ذنبك ؟ قال : ليلة الدير . قيل : وما ليلة الدّير ؟ قال : نزلت بديرانيّة فأكلت عندها طفيشلا بلحم خنزير وشربت خمرها وسرقت كساءها وخرجت .
--> ( 1 ) التصريد : الشرب دون الرّي يقال صرد شرابه أي قطعه .