ابراهيم بن محمد البيهقي

227

المحاسن والمساوئ

أب يحدب عليه « 1 » . وكان يقال : الجالي عن مسقط رأسه كالعير الناشز عن موضعه الذي هو لكلّ سبع فريسة ولكلّ كلب قنيصة ولكلّ رام رميّة . وكان يقال : الغريب عن وطنه ومحلّ رضاعه كالغرس الذي زايل أرضه وفقد شربه فهو ذاو لا يثمر وذابل لا ينضر ؛ وأنشد : ومغترب بالمرج يبكي لشجوه * وقد غاب عنه المسعدون على الحبّ إذا ما أتاه الرّكب من نحو أرضه * تنفّس يستشفي برائحة الرّكب ولآخر : إذا ما ذكرت الثّغر فاضت مدامعي * وأضحى فؤادي نهبة للهماهم حنينا إلى أرض بها اخضرّ شاربي * وحلّت بها عني عقود التّمائم وألطف قوم بالفتى أهل أرضه * وأرعاهم للمرء حقّ التقادم ولآخر : أحنّ إلى أرض الحجاز وحاجتي * خيام بنجد دونها الطّرف يقصر وما نظري من نحو نجد بنافعي * أجل لا ولكني على ذاك أنظر أفي كلّ يوم نظرة ثمّ عبرة * لعينيك يجري ماؤها يتحدّر متى يستريح القلب ؟ إمّا مجاور * حزين وإمّا نازح يتذكر الطائيّ : نقل فؤادك حيث شئت من الهوى * ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل كم منزل في الأرض يألفه الفتى * وحنينه أبدا لأوّل منزل مساوئ من كره الوطن قال بعض الفلاسفة : اطلبوا الرزق في البعد فإنكم إن لم تكسبوا مالا غنمتم عقلا كثيرا . وقال آخر : لا يألف الوطن إلّا ضيّق العطن . وقيل لآخر : ما أصبرك على الغربة ! فقال : آنست بالنوائب حتى ما أعرف غيرها وغذيت بالمكاره فما أجد ضيرها . ومدح أعرابيّ رجلا فقال : خرّجته الغربة ودرّبته التجربة وضرسته النوائب .

--> ( 1 ) يحدب عليه : يعطف عليه ويرأف به .