ابراهيم بن محمد البيهقي
174
المحاسن والمساوئ
العاشقون كلاهما متغضّب * وكلاهما متوجّد متجنّب صدّت مغضبة وصدّ مغاضبا * وكلاهما ممّا يعالج متعب راجع أحبّتك الّذين هجرتهم * إنّ المتيّم قلّ ما يتجنّب إن التّجنّب إن تطاول منكما * دبّ السّلو له فعزّ المطلب ثم كتبت تحت ذلك : لا بدّ للعاشق من وقفة * تكون بين الوصل والصّرم حتّى إذا الهم تمادى به * راجع من يهوى على رغم قال : ووجهت بالكتاب فدفعه إلى الرشيد ، فقال : واللّه ما رأيت شعرا أسبه بما نحن فيه من هذا ، واللّه لكأني قصدت به . فقال يحيى : فأنت واللّه المقصود به يا أمير المؤمنين ، هذا يقوله العباس بن الأحنف في هذه القصة . فلما قرأ البيتين وأفضى إلى قولي : راجع من يهوى على رغم ، استفرغ ضحكا ثم قال : إني واللّه أراجعها على الرغم ، وقال : يا غلام نعلي ، فنهض وأذهله الجذل والسرور عن أن يأمر لي بشيء . فدعاني يحيى وقال : إن شعرك قد وقع بغاية الموافقة وأذهل أمير المؤمنين السرور عن أن يأمر لك بشيء . قلت : لكن هذا الخبر لم يقع مني بغاية الموافقة . قال : إذا أوقعه . ثم جاء إنسان فساره بشيء فنهض ونهضت لنهوضه . فقال : يا عباس أمسيت أنبل الناس ، أتدري ما سارّتي به هذا الرسول ؟ قلت : لا . قال : ذكر أن ماردة تلقت أمير المؤمنين لما علمت بمجيئه فقالت : كيف كان هذا يا أمير المؤمنين ؟ فأعطاها الشعر وقال : هذا الذي جاء بي ! قالت : فمن يقوله ؟ قال : العباس بن الأحنف . قالت : فبكم كوفئ ؟ قال : ما فعلت شيئا . قالت : إذا واللّه لا أجلسن حتى يكافأ ! فأمير المؤمنين قائم : لقيامها وأنا قائم لقيامهما وهما يتناظران في صلتك ، فهذا كله لك . قلت : ما لي من هذا إلا الصلة ! فضحك وقال : هذا أحسن من شعرك . فأمر لي أمير المؤمنين بمال كثير وأمرت هي لي بمال دونه وأمر لي الوزير بمال دون ما أمرت به وحملت على ما ترون من الظهر . ثم قال لي الوزير : تمام اليد عندك أن لا تخرج من الدار حتى يؤثل لك بهذا المال ، فاشتريت لي ضياع تغل عشرين ألف درهم ودفع إلي بقية المال . فهذا هو خبري الذي عاقني عنكم ، فهلموا حتى أقاسمكم الضياع وأفرق بينكم المال . فقلنا : هنأك اللّه مالك ، كلنا يرجع إلى نعمة من أبيه وأهله . فأقسم وأقسمنا فقال : أنتم إسوتي فيه . قلنا : أما هذا فنعم ، فامضوا بنا إلى الجارية نشتريها . قال : فمضينا إلى صاحبتها ، وكانت جارية جميلة حلوة لا تحسن شيئا أكثر مما بها من الظرف ، وكانت تساوي على وجهها خمسين ومائة دينار ، فاستامت بها صاحبتها خمس مائة دينار فأجابناها بالتعجب فحطت مائة . فقال لنا العباس : يا فتيان إني أحتشم واللّه أن أقول