ابراهيم بن محمد البيهقي
143
المحاسن والمساوئ
للضيف ، قال : وكيف ذلك ؟ قال : لأن أحدنا ربما لم يملك إلا بعيرا فإذا حل به ضيف نحر له ، قال العجمي : فنحن أحسن مذهبا في القرى منكم ، قال : وما ذاك ؟ قال : نسمي الضيف مهمان ، ومعناه أنه أكبر من في المنزل وأملكنا به . وقال بعض الحكماء : قام بالجود من قام بالمجهود . وقيل : من لم يضن بالموجود هو الجواد . وقال المأمون : الجود بذل الموجود ، والبخل سوء الظن بالمعبود . قيل : وشكا رجل إلى إياس بن معاوية كثرة ما يهب ويصل وينفق ، فقال : إن النفقة داعية إلى الرزق ، وكان جالسا بين بابين فقال للرجل : أغلق هذا الباب ، فأغلقه ، فقال : هل تدخل الريح البيت ؟ قال : لا ، قال : فافتحه ، ففتحه ، فجعلت الرياح تخترق في البيت ، فقال : هكذا الرزق إنك إذا غلقت الباب لم تدخل الريح وكذلك إذا أمسكت لم يأتك . قيل : ووصل المأمون محمد بن عباد المهلبي بمائة ألف دينار ففرقها على إخوانه ، فبلغ ذلك المأمون فقال : يا أبا عبد اللّه إن بيوت المال لا تقوم لهذا ! فقال : يا أمير المؤمنين البخل بالموجود سوء ظن بالمعبود . وعن أمية بن يزيد الأموي قال : كنا عند عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية فجاءه رجل من أهل بيته فسأله المعونة على تزويج ، فقال له قولا ضعيفا فيه وعد وقلة طمع ، فلما قام من عنده ومضى دعا صاحب خزانته وقال : أعطه أربعمائة دينار ، فاستكثرناها وقلنا : كنت رددت عليه ردا ظننا أنك تعطيه شيئا قليلا فإذا أنت قد أعطيته أكثر مما أمل ! فقال : إني أحب أن يكون فعلي أحسن من قولي . وبحاتم يضرب المثل في السخاء ، فحدثنا عن بعض رجالات طيء قال : كان حاتم جوادا شاعرا ، وكان حيثما نزل عرف منزله ، وكان مظفرا إذا قاتل غلب ، وإذا غنم أنهب ، وإذا سئل وهب ، وإذا ضرب بالقدح سبق ، وإذا أسر أطلق ، وكان أقسم أن لا يقتل واحد أمه ، ولما بلغ حاتما قول المتلمس : وعلم علم حقّ غير ظنّ * وتقوى اللّه من خير العتاد لحفظ المال خير من بغاه * وطوف في البلاد بغير زاد قليل المال تصلحه فيبقى * ولا يبقى الكثير على الفساد قال : ما له ، قطع اللّه لسانه ، حرض الناس على البخل ؟ أفلا قال : فلا الجود يفني المال قبل فنائه * ولا البخل في مال الشّحيح يزيد