ابراهيم بن محمد البيهقي
139
المحاسن والمساوئ
الهدايا ، فأبى أن يقبل منها شيئا وقال : لم آتك لأسلبك ! فقال : أيها الأمير إنها نعمتك علي ! قال : ولك عندنا مزيد . قال : فلم يزل يطلب إليه فأخذ من جميع ذلك سوطا سجزيا ، فقال : هذا من آلة الفرسان ، فقال إبراهيم : أيها الأمير فهذا المال من مال الخراج تأمر بقبضه ؟ قال : هو لك ، فأعاد عليه القول مرارا ، فقال : ما لك بيت يسعه ، فوهب له المال بعد أن كان قد صار إليه ألف ألف درهم . قال : ودخل قوم من حاشية المنصور وخدمه عليه فرأى منهم رجلا عليه سواد خلق فقال له : يا فلان ما لي أرى سوادك منقطعا ، أما تقبض رزقك ؟ قال : بلى يا أمير المؤمنين ولكن أبي توفي وترك دينا فبعت تركته في قضاء دينه وصرفت أكثر رزقي إلى حرمته وولده من بعده ، فقال : أعد علي ما قلت ، فأعاده ، فقال : ما أحسن ما فعلت ! اغد علي في غد ، فغدا عليه فوجد الربيع جالسا على الكرسي ، فقال : قد سأل عنك أمير المؤمنين فادخل ، فدخل فوجده قائما يصلي ، فقضى صلاته وقال : ألم آمرك أن تغدو ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ما قصرت في الغدو عند نفسي ، قال : خذ ما تحت تلك المضربة ، وإذا السراج يزهر وسرير صغير في ناحية المجلس ينام عليه ، فرفعت المضربة فإذا دنانير ، فجعلت أحثوها في كمي ثم دعوت له وخرجت ، فبصر بصفرة دينار في ضوء السراج ، فدعا فقال لي : انظر ما على السرير ، فإذا دينار فأخذته ، فقال : ادن مني ، فدنوت منه فعرك أذني تعريكا شديدا فقال : تترك دينارا وفيه نفقة يومك ؟ قال : فأخذت الدينار ، ووزنت الدنانير وإذا هي ألف دينار عددها تسعمائة وتسعة وتسعون دينارا في عافية وأخذت واحدا بعرك الأذن . قيل : وقال علقمة بن لبيد لابنه : يا بني إن نازعتك نفسك يوما إلى صحبة الرجال لحاجتك إليهم فاصحب من إن صحبته زانك ، وإن تخففت له صانك ، وإذا نزلت بك نازلة مانك ، وإن قلت صدق قولك ، وإن صلت به شدد صولك . اصحب من إذا مددت يدك لفضل مدها ، وإن رأى منك حسنة عدها ، وإن بدت منك ثلمة سدها . اصحب من لا تأتيك منه البوائق ولا تختلف عليك منه الطرائق ولا يخذلك عند الحقائق . وقال بعض الحكماء : إذا رأيت كلبا ترك صاحبه وتبعك فارجمه بالحجارة فإنه تاركك كما ترك صاحبه . وقال آخر اصحب من خولك نفسه وملكك خدمته وتخيرك لزمانه فقد وجب عليك حقه وذمامه ، وكان يقال من قبل : صلتك ، فقد باعك مروءته وأذل لقدرك عزه . وقال بعضهم : أنا أطوع لك من اليد وأذل من النعل . وقال بعضهم : أنا أطوع لك من الرداء وأذل من الحذاء .