ابراهيم بن محمد البيهقي

130

المحاسن والمساوئ

ابن الزيات : واللّه ما سمعنا بهذا في الكفارات إنما قال اللّه جل وعز ، وتلا الآية في كفارة الأيمان ، فقال : تلك في كفارة مثله في بعد همته وجلالة قدره أو مثل آبائه ، إنما تكون كفارة اليمين على قدر جلال اللّه من قلب الحالف بها ولا نعلم أحدا للّه جل وعز في قلبه أجل من أمير المؤمنين ، فقال الواثق : تحمل إلى أبي عبد اللّه يتصدق بها . قال : ودعا يحيى بن خالد البرمكي ابنه إبراهيم يوما وكان يسمى دينار بني برمك لجماله وحسنه ودعا بمؤدبه وبمن كان ضم إليه من كتابه ، وأجابه ، فقال : ما حل ابني هذا ؟ قالوا : قد بلغ من الأدب كذا وكذا ونظر في كذا وكذا ، قال : ليس عن هذا سألت ، قولوا : قد اتخذنا له من الضياع كذا وغلته كذا ، قال : ولا عن هذا سألت إنما سألت عن بعد همته وهل اتخذتم له في أعناق الرجال مننا وحببتموه إلى الناس ؟ قالوا : لا ، قال : فبئس العشراء أنتم والأصحاب ، هو واللّه إلى هذا أحوج منه إلى ما قتلم ! ثم أمر بحمل خمس مائة ألف درهم إليه ففرقت على قوم لا يدرى من هم . قال : وقال المأمون لولده وعنده عمرو بن مسعدة ويحيى بن أكثم : اعتبروا في علو الهمة بمن ترون من وزرائي وخاصتي ، إنهم واللّه ما بلغوا مراتبهم عندي إلا بأنفسهم ، إنه من تبع منكم صغار الأمور تبعه التصغير والتحقير وكان قليل ما يفتقد من كبارها أكثر من كثير ما يستدرك من الصغار ، فترفعوا عن دناءة الهمة وتفرغوا لجلائل الأمور والتدبير واستكفوا الثقات وكونوا مثل كرام السباع التي لا تشتغل بصغار الطير والوحش بل بجليلها وكبارها ، واعلموا أن أقدامكم إن لم تتقدم بكم فإن قائدكم لا يقدمكم ولا يغني الولي عنكم شيئا ما لم تعطوه حقه ، وأنشده : نحن الّذين إذا تخمّط « 1 » عصبة * من معشر كنّا لها أنكالا ونرى القروم « 2 » مخافة لقرومنا * قبل اللّقاء تقطّر الأبوالا نرد المنيّة لا نخاف ورودها * تحت العجاجة والعيون تلالا نعطي الجزيل فلا نمنّ عطاءنا * قبل السّؤال ونحمل الأثقالا وإذا البلاد على الأنام تزلزلت * كنّا لزلزلة البلاد جبالا ولبعضهم في أبي دلف : له همم منتهى لكبارها * وهمّته الصّغرى أجلّ من الدّهر له راحة لو أنّ معشار جودها * على البرّ كان البرّ أندى من البحر

--> ( 1 ) التخمط : التكبر . ( 2 ) القروم جمع قرم وهو الفحل الذي يترك من الركوب والحمل ويودع للفحلة .