جلال الدين السيوطي
55
گزيدهء الاتقان في علوم القرآن
ما » ويحتمل أن يجزم ببقائها على الظرفية لأنها أبعد عن التركيب بخلاف « إذ ما » الرابع تختص إذا بدخولها على المتيقن والمظنون والكثير الوقوع ، بخلاف « إن » فإنها تستعمل في المشكوك والموهوم النادر ، ولهذا قال تعالى إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا « 1 » ثم قال وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا « 2 » فأتى بإذا في الوضوء لتكرره وكثرة أسبابه وبأن في الجنابة لندرة وقوعها بالنسبة إلى الحدث ، وقال تعالى فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا « 3 » وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ « 4 » أتى في جانب الحسنة بإذا لأن نعم اللّه على العباد كثيرة ومقطوع بها وبان في جانب السيئة لأنها نادرة الوقوع ومشكوك فيها . نعم أشكل على هذه القاعدة آيتان : الأولى قوله تعالى وَلَئِنْ مُتُّمْ « 5 » أَ فَإِنْ ماتَ « 6 » فأتى بأن مع أن الموت محقق الوقوع ، والأخرى قوله تعالى وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ « 7 » فأتى بإذا في الطرفين ، وأجاب الزمخشري عن الأولى بأن الموت لما كان مجهول الوقت أجري مجرى غير المجزوم ، وأجاب السكاكي عن الثانية بأنه قصد التوبيخ والتقريع فأتى بإذا ليكون تخويفا لهم وإخبارا بأنهم لا بد أن يمسهم شيء من العذاب ، واستفيد التقليل من لفظ المس وتنكير ضر . وأما قوله تعالى وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ « 8 » فأجيب عنه بأن الضمير في « مسه » للمعرض المتكبر لا لمطلق الإنسان ويكون لفظ « إذا » للتنبيه على أن مثل هذا المعرض يكون ابتلاؤه بالشر مقطوعا به . وقال الخويي الذي أظنه أن إذا يجوز دخولها على المتيقن والمشكوك لأنها ظرف وشرط فبالنظر إلى الشرط تدخل على المشكوك وبالنظر إلى الظرف تدخل على المتيقن كسائر الظروف .
--> ( 1 ) . المائدة / 6 . ( 2 ) . المائدة / 6 . ( 3 ) . الأعراف / 131 . ( 4 ) . الروم / 36 . ( 5 ) . آل عمران / 158 . ( 6 ) . آل عمران / 144 . ( 7 ) . الروم / 33 . ( 8 ) . فصلت / 51 .