جلال الدين السيوطي
18
گزيدهء الاتقان في علوم القرآن
وقال غيره بل كان للعرب العاربة التي نزل القرآن بلغتهم بعض مخالطة لسائر الألسنة في أسفارهم فعلقت من لغاتهم ألفاظا غيرت بعضها بالنقص من حروفها واستعملتها في أشعارها ومحاوراتها حتى جرت مجرى العربي الفصيح ووقع بها البيان وعلى هذا الحد نزل بها القرآن . وقال آخرون كل هذه الألفاظ عربية صرفة ولكن لغة العرب متسعة جدا ولا يبعد أن تخفى على الأكابر الجلة وقد خفي على ابن عباس معنى « فاطر » و « فاتح » . قال الشافعي في الرسالة لا يحيط باللغة إلا نبيّ . وقال أبو المعالي عزيزي بن عبد الملك إنما وجدت هذه الألفاظ في لغة العرب لأنها أوسع اللغات وأكثرها ألفاظا ويجوز أن يكونوا سبقوا إلى هذه الالفاظ . وذهب آخرون إلى وقوعه فيه وأجابوا عن قوله تعالى قُرْآناً عَرَبِيًّا * « 1 » بأن الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تخرجه عن كونه عربيا والقصيدة الفارسية لا تخرج عنها بلفظة فيها عربية وعن قوله تعالى ءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ « 2 » بأن المعنى من السياق أكلام أعجمي ومخاطب عربي . واستدلوا باتفاق النحاة على أن منع صرف نحو « إبراهيم » للعلمية والعجمة . ورد هذا الاستدلال بأن الأعلام ليست محل خلاف فالكلام في غيرها موجه بأنه إذا اتفق على وقوع الأعلام فلا مانع من وقوع الأجناس . وأقوى ما رأيته للوقوع - وهو اختياري - ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن أبي ميسرة التابعي الجليل قال في القرآن من كل لسان . وروى مثله عن سعيد بن جبير ووهب بن منبه . فهذه إشارة إلى أنه حكمة وقوع هذه الألفاظ في القرآن أنه حوى علوم الأولين والآخرين ونبأ كل شيء ، فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن ليتم إحاطته بكل شيء فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها وأكثرها استعمالا للعرب . ثم رأيت ابن النقيب صرح بذلك فقال من خصائص القرآن على سائر كتب اللّه تعالى المنزلة أنها نزلت
--> ( 1 ) . يوسف / 2 . ( 2 ) . فصلت / 44 .