صادق عبد الرضا علي
55
القرآن والطب الحديث
الجنون وقضاء ما تبقى من العمر في مستشفيات المجانين بأسوأ حال وأشنع صورة . وهناك طائفة تأزمت حالتها تجاه المضايقات الروحية المستمرة إلى درجة أنها أفلتت عنان الاختيار من يدها ، وأقدمت على الانتحار من القلق والألم ، وبهذا الوضع المزري ينهون تلك السلسلة من الاضطرابات ] « 1 » . لنعد الآن إلى الآية الكريمة : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . فالآية الكريمة تدل على أنّ لكل شيء ثمرا ، فالذي يريد أن يجني ثمرا عليه أن يزرع ويبذل الجهد ليحصل على ما يريد ، وكذلك العامل والمؤمن وكل من يريد الآخرة والجنة ورضى اللّه ، عليه أن يضحي في حياته ، ويصبر على مكاره الدنيا وامتحاناتها ، فلا جنة بدون امتحان وتمحيص . وعلى الناس أن يمروا بسلسلة من الاختبارات والامتحانات القاسية التي تظهرهم على حقيقتهم ، حتى يكونوا أهلا لرضى الخالق كما قال اللّه تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ « 2 » . ومن المعلوم والواضح والبديهي أنّ أشد أنواع الامتحان صعوبة على النفس هو فقدان المال أو إعطاؤه جبرا ، والموت ، أو صعوبة الحصول على الغذاء اللازم ، أو مرور الإنسان بحالة من القلق والخوف التي قد تؤدي إلى زعزعة إيمانه وهز كيانه ووجدانه . ولكن الشيء الذي يلفت النظر ويعتبر من المعجزات القرآنية التي حيرت علماء النفس والباحثين ، وجعلتهم يقفون موقف الاحترام والاجلال والخشوع والايمان ، هو دقة وإعجاز وشمولية آيات القرآن ، وتوافقها الدائم وتفسيرها - الذي لا يقبل الطعن والنقاش - للمستجدات التي تظهر للوجود خلال المراحل الزمنية
--> ( 1 ) الشيخ محمد تقي فلسفي : الطفل بين الوراثة والتربية . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 214 .