صادق عبد الرضا علي
275
القرآن والطب الحديث
ولعلّ أعظم البراهين على عبقرية إنسان ، هو ما يبتكر من الأعمال ، أو الآراء المبتكرة التي لم يسبق إليها . ونحن إذا تصفّحنا حياة الإمام علي ( عليه السلام ) بتجرد علمي ، رأينا أنه ابتكر أمورا لم يسبق إليها . ووثبة تفكيره إلى هذه الأوليات التي تفرد بها خير دليل على فطرة عبقرية مصفاة . فالإمام علي ( عليه السلام ) أعجوبة من أعاجيب القضاء ، لأنّه أوّل قاض فرّق بين الشهود لئلا يتواطأ اثنان منهما على شهادة تشوه جمال الحق ، أو تطمس معالمه ، فسنّ بهذه السنة الحميدة البارعة للقضاء ، ما يجعل سبيل الحق لهم واضحا ، وينزّه أحكامهم عن الشبهات ، ويحول بين الذين يتلاعبون بضمائر الناس وبين ما طبعوا عليه من الغش ، فلا يتمكنون من خداع القاضي . وهو أوّل من سجّل شهادات الشهود حتى لا تتبدّل شهادة - بإغراء من رشوة ، أو تدليس من طمع ، أو ميل مع عاطفة - فكان بذلك مبتكرا من أعظم المبتكرين ، لأنّ صيانة حقوق الناس من العبث والغش أثمن من حياة الناس نفسها . فجاءت الأجيال والأمم والحكومات والدول لتسير على الأسلوب الذي رسمه الامام الأعظم ( عليه السلام ) . وهو أوّل مكتشف أو مبتكر للتفريق ما بين لبن أم الأنثى وأم الذكر . وروي في « كنز العمّال في السنن والأقوال » ج 3 ص 170 عن شريح القاضي قال : كنت أقضي لعمر بن الخطاب ، فأتاني يوما رجل فقال : يا أبا اميّة ! إنّ رجلا أودعني امرأتين : إحداهما حرة مهيرة - أي غالية المهر ، والجمع مهائر - والأخرى سريّة ، فجعلتهما في دار ، وأصبحت اليوم وقد ولدتا غلاما وجارية ، وكلتاهما تدّعي الغلام ، وتنتفي من الجارية ، فاقض بينهما بقضائك . قال : فلم يحضرني شيء فيهما ، فأتيت « عمر » فقصصت عليه القصّة . فقال : « فما قضيت بينهما ؟ » قلت : « لو كان عندي قضاؤهما ما أتيتك ! » . فجمع عمر من حضر من أصحاب النبي ( ص ) وأمرني فقصصت عليهم ، فشاورهم في ذلك ، فكلّهم ردّ الرأي إليه وإليّ . .