محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
93
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
- 2 - موقف المشركين من ظاهرة الوحي أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ سورة النساء ، الآية 82 ] . إننا إذ نطرح اليوم هذه المسألة ، فإن ذلك يعني أننا نمارس عملا من أعمال الفكر الحيّ ليس فقط داخل إطار الفكر الإسلامي ، وإنما أيضا داخل المنظور الأكثر اتساعا لتجديد الفكر الديني بشكل عام . فمن الواضح أن مختلف تراثات الفكر الديني لا تزال تمارس نفسها داخل إطار النظام المغلق ل « القيم » الخاصّة بكل طائفة دينية ، أكثر مما تمارسه من خلال الحرص على إبداع أدوات جديدة للتحليل والمعقولية « * » . إنّ هدفنا من هذا العرض القصير ينحصر فقط في الإجابة على السؤال التالي : لما ذا تشكّل مسألة موقف المشركين من ظاهرة الوحي أحد المواقع الاستراتيجية التي تنبغي دراستها من أجل تأسيس فكر مبدع وجديد عن دلالة الدين ومعناه ؟ سوف نبيّن فيما بعد كيف أن أخذ كل الأبعاد التاريخية للمسألة بعين الاعتبار سوف يؤدي بالضرورة إلى طرح تساؤل ذي نمط أنتربولوجي عن منشأ اللغة الدينية ووظيفتها . 1 - المقاربة التاريخية للمسألة هناك آيات عديدة في القرآن تبرهن بكل وضوح على أن الجمهور المستمع لمحمد ، وبخاصة اليهود والمسيحيين ، كانوا يطالبونه بتقديم البراهين على صحة قوله بأنه يتحدث باسم اللّه حقا . طبعا ، إننا لا نخلط هنا بين المشركين وبين اليهود والمسيحيين . ولكنهم في ما يخصّ هذه النقطة ، اتخذوا موقفا متشابها ، ورفضوا التصديق بنبوة محمد والوحي القرآني
--> * يقصد أركون بذلك أن كل طائفة دينية سواء أكانت إسلامية أم مسيحية أم يهودية لا تزال منغلقة داخل سياجها الخاص : أي داخل عقائدها الدوغمائية التي تعتبرها مطلقة وتنفي كل ما عداها . وهو يريد أن يحصل التفاعل والتحاور بين مختلف الأديان والتراثات الثقافية ، فيتشكّل بذلك تاريخ الأديان المقارن .