محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
76
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
يتمتعون بمكانة الشخص البشري ) . لما ذا يحتقرون كل هذا الاحتقار ؟ لأنهم يتجرءون على « الخوض واللعب » و « الاستهزاء » عندما تنزل آية من الآيات ( انظر الآيتين 64 - 65 ) « * » ؛ ولأنهم يبنون مسجدا منافسا لمسجد النبي من أجل الاعتراض على الرمزانية الدينية الجديدة ، بل وتدميرها ؛ ولأنهم حانثون باليمين وينقضون العهود والمواثيق التي قطعوها على أنفسهم ؛ كما أنهم يرفضون الاعتراف بالمقدس الجديد ويستمرون في التأكيد على صلاحية المقدس الموروث عن آبائهم . . . ولذا فإن توبة اللّه ذاتها ممنوعة عليهم . فالتوبة مستحيلة لأننا في مرحلة حرجة لا يزال فيها بعض من هم في معسكر المؤمنين يستمعون إلى زارعي الفتنة والشغب والتشكيك والتمرد « * * » ( كما جاء في الآية 47 ) . ولكن قد تقول العلوم الاجتماعية السائدة اليوم : إنّ كل هذا ليس إلّا انقساما إيديولوجيا ثنائيا بين فئتين اجتماعيتين متنافستين على السيطرة على الرأسمال الرمزي الذي لا بد منه من أجل إضفاء المشروعية على السلطات السياسية . ربما . ليكن . ولكن هذا التفسير يبقى اختزاليا إذا لم يأخذ بعين الاعتبار بعد الأمل بصفته قوة محفّزة للهمم وموضوعا لتحقّق الروح من خلال الإكراهات المادية التي لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها . وهناك اختزال أيضا في ما يخصّ نقطة محدّدة تماما من البحث الذي قادنا إلى القيام بهذا المسار وذلك بمساعدة سورة التوبة . وأقصد بذلك ما يلي : نحن نهدف من خلال هذه الدراسة كلها إلى زحزحة مفهوم الوحي وتجاوزه . أقصد : زحزحة وتجاوز التصور الساذج والتقليدي
--> * كانت المعركة على أشدّها بين الطرفين . وقد استخدمت فيها جميع الأسلحة من مادية ومعنوية . ومن هذه الأسلحة الاستهزاء بالخصم أو السخرية منه . تقول الآيتان المشار إليهما هنا : يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ . وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ . وقد اتهموا النبي أكثر من مرة بأنه مجنون : « إن هو إلا شاعر أو مجنون » ، وذلك للضغط عليه وتسفيه كلامه وجعل الناس ينفضّون عنه . وبالتالي فالحرب كانت عامة شاملة . بل ووصل بهم الأمر إلى حد بناء مسجد ضرار لكي ينافس المسجد الذي أقامه النبي . تقول الآية : وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ [ الآية 107 ] . * * لم يكن المقدّس الجديد الذي جاء به القرآن قد فرض نفسه بعد . وكان المقدّس القديم الموروث عن الآباء والأجداد لا يزال قويا راسخا في العقول ( أو في عقول الكثيرين على الأقل ) . وبالتالي ، فالمعركة كانت في الواقع بين المقدّسات : أي بين مقدس قديم ومقدس جديد يريد أن يزيحه ويحل محله . ومن يربح معركة المقدّسات يربح المعركة الاجتماعية والسياسية - أي السلطوية . وبالتالي ، فالرهان كان كبيرا جدا . وبما أن المعركة لم تكن قد حسمت بعد تماما ، فإن النبي كان يخشى أن يتوصل المعارضون إلى شقّ اتباعه أو استمالة بعضهم عن طريق التشكيك والفتنة . تقول الآية : لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ . لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ [ الآيتان 47 - 48 ] .