محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

72

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

والإكراهات النحوية والسيميائية للخطاب القرآني المتلوّ شفهيا والمقروء دائما « 1 » . ويمكننا أن نتحدث هنا عن حصول محو أو طمس تاريخي للعامل - الذات - المرسل الأول والأعظم . كيف ؟ عن طريق تعرّض صورته في مخيال المؤمنين لتحوّلات مستمرة يمكن للمؤرّخ التحليلي وحده أن يحدّدها ويوضّحها بشكل موضوعي . فعلى مستوى اللحظة القرآنية نلاحظ أن « اللّه » مقدّم على نحو لكي يدرك أو يتصوّر بصفته فاعلا موجودا دائما في الحياة اليومية للنبي وللمؤمنين . وهذا ما يدلّ عليه تكرر كلمة « اللّه » وصفاته باعتباره الفاعل النحوي للأفعال بشكل كثيف جدا في القرآن ، هذا في حين أن كلمة « الإسلام » لا تتكرر إلّا سبع مرات فقط « 2 » . ولكن في الخطاب الإسلامي المعاصر تنعكس الأمور بشكل مذهل حقا ، وذلك لمصلحة كلمة « إسلام » التي أصبحت كالجراب تتسع لكل شيء ويضعون فيها كل شيء . وهذا الخطاب الإسلامي المعاصر تمّ تضخيمه من قبل المعلّقين السياسيين أو كتّاب المقالات السريعة والصحفية في الغرب . وهذا يعني أن مفهوم اللّه كما تمّت بلورته في القرآن لن يفلت من عمل التاريخ أو تأثير التاريخ على الوعي الديني والحياة الدينية . وهذه بدهية أخرى تنتج عن قراءتنا لسورة التوبة ، ولكن الخطاب الإسلامي الأرثوذكسي يستمر في الإبقاء عليها داخل دائرة اللامفكّر فيه . إن مسألة الوساطة معترف بها ، ولكن لم يفكّر بها قط بشكل صحيح أو مطابق من قبل جميع الارثوذكسيات المتولّدة عن الايديولوجيات الكبرى التي حوّلت التاريخ أو غيّرت وجه التاريخ . كل تراث الفكر التوحيدي يعترف بوساطة الأنبياء ، ثم وساطة رجال الدين « المأذونين » من أجل تحيين أو تجسيد كلام اللّه الموحى . ولكن هذا الاعتراف يظلّ على مستوى التشخيص التصوّري من أجل الإيمان ، أو لنقل بشكل أفضل ، من أجل المخيال الديني الذي لا ينفصل عن المخيال الاجتماعي . ولهذا السبب نقول إنّ الباحثين انخرطوا في التأملات التجريدية عن علم النبوّة أكثر مما انخرطوا في الدراسة الوضعية أو الواقعية لكلنا الذروتين اللتين تلعبان دور الوساطة بالنسبة لكل الوجود البشري . ونقصد بهما : ذروة اللغة في مختلف أنماط تحقّقها أو تحقيقها للفكر ( انظر المناخات السيميائية ) ، كما نقصد ذروة العامل الاجتماعي - التاريخي حيث يواصل التاريخ عمله أو تأثيره بالتفاعل مع عمل الروح أو الفكر .

--> ( 1 ) إن الجانب النحوي من الخطاب القرآني كان هو الذي حظي باهتمام التفسير الإسلامي التقليدي أكثر من غيره . ولكن حتى هنا نلاحظ أن ضغط المسلّمات اللاهوتية يفعل فعله أو يظهر مفعوله . نقول ذلك ونحن نعلم كيف أن قراءات القرآن كانت قد « شذّبت » أو تم التقريب والمواءمة بينها بشكل تدريجي . ونقصد بذلك أنهم غربلوها ونخلوها واختاروا منها بعض العناصر وحذفوا بعضها الآخر من أجل التوصل إلى إجماع « أرثوذكسي » . ( 2 ) انظر مقالتي بعنوان « الإسلام » ، الواردة في الموسوعة القرآنية المذكورة آنفا .