محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
55
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
باستمرار عن المعنى من أجل تجاوز آثار المعنى . أضف إلى ذلك أن المبدأ الديموقراطي الذي يحمي حق كل فرد / مواطن في فرض « اختلافه » عن طريق اتخاذ موقف القبول والرضا ، أو الرفض والإنكار في كل مناقشة ، قد يؤدي في سياقات اجتماعية - ثقافية ولغوية عديدة إلى تكاثر الفوضى المعنوية والتفسير الفوضوي أو الفلتان في كل مكان يسيطر فيه النصّ الديني التأسيسي ويفرض نفسه كمرجعية إجبارية ، أي كمرجعية إجبارية هادفة إلى الفصل بين الفريقين المتصارعين على فرض « المعنى الحقيقي » وتحقيق انتصاره من حيث المبدأ ، هذا في حين أن الأمر يتعلّق في الواقع بأخذ السلطة المطلقة أو محاولة التوصل إليها . وكل الأساتذة المحاضرين المعتادين على التوجّه إلى جمهور عديد ومتنوّع يعرفون مدى أهمية هذه العقبات التي هي ابستمولوجية وسياسية واجتماعية في آن معا . وهي عقبات تقف في وجه كل تواصل ناجح بين المحاضر والجمهور أو تعرقله . أقصد التواصل الناجح حول القضايا التي أثيرها هنا انطلاقا من تجربتي الشخصية كأستاذ وكمحاضر . إذا ما أردنا أن نأخذ بعين الاعتبار كل هذه المعطيات ، فإن قراءة سورة التوبة ، أو أي نصّ آخر يقدّم نفسه كنص تأسيسي ، لا يمكن بعد الآن أن تعرض نفسها كمحاولة لاستخلاص « المعنى الحقيقي » ، وهادفة علاوة على ذلك إلى تأسيس الإطار المعرفي الذي يتكفّل ببلورة الأحكام الأخلاقية ، والقانونية الفقهية ، والروحية والسياسية . ولكن هنا أيضا ينبثق صراع آخر : فالمؤمن ينتظر منا أن نقدّم له هذا المعنى الحقيقي ، بل ويطالب به بشكل قطعي . لما ذا ؟ لأن هذا المعنى هو الذي يضيء له كل وجوده الشخصي وكل تصرفاته داخل الطائفة وفي مواجهة العالم . كما ويوجّه تصرفاته ويحقّق له الأمان والاطمئنان . إنّ الأمر يتعلّق هنا بأولوية وجودية ملحّة لا يمكن أن تنتظر نتائج البحث العلمي البطيء بطبيعته ، وغير المضمون ، بل وحتى التفكيكي أو التدميري . وأقصد بالبحث العلمي هنا تحرّيات علم التأويل الحديث والنقدي المتخصص بتفسير الكتابات المقدسة . وبالتالي ، فإن هذه الحاجة الوجودية الملحّة سوف تفرض بالضرورة الأولية العملية للتفسير الفوضوي أو الفلتان ، وهو تفسير ترقيعي مركب من عناصر متفرّقة من هنا وهناك . وهو الذي يغذّي الانقسامات السياسية ، ويقوّي التفاوتات الثقافية والفكرية بين أبناء المجتمع الواحد أو يزيد منها . كما أنه سيؤخّر من عملية السيطرة النقدية على المخيال الاجتماعي . وسيؤجّل أيضا عملية الخروج المتعقّل خارج نطاق الوظائف الاستلابية الملازمة خلال التاريخ لكل دين من الأديان . وأقصد بالخروج المتعقل أو « المفكّر فيه جيدا » ، ذلك البحث التأويلي الذي يوضّح المعنى الغامض للدين . فالدين يهدف بصراحة إلى الرفع من شأن كرامة الشخص البشري ، ولكنه من جهة أخرى يشكّل ذروة مقدسة متلاعب بها من قبل الفاعلين الاجتماعيين ( أو الحركيّين السياسيين ) الذين يخضعون تحيين ( أو تجسيد ) هذا الرفع من شأن الكرامة الإنسانية إلى إرادات القوة والهيمنة ( وهنا نلتقي بالمثلث : « روح ، مجتمع ، سلطة / أو سيادة عليا » .