محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

53

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

في ما يخص التفسير القرآني ، أحبّ أن أحيل القارئ هنا إلى الكتاب الموضوع جماعيا من قبل أ . ربّين ، فاريورم وأشغات ، تحت عنوان : القرآن : التأويل التكويني ( أو التوليدي ) « * » ، بل ويمكننا أن نتحدث اليوم عن شيوع نوع من التفسير الفوضوي كذاك الذي قام به قتلة الرهبان المسيحيين المقيمين في منطقة تريبهيرين في الجزائر . فقد استشهدوا بالآية التاسعة والعشرين من سورة التوبة من أجل إضفاء « المشروعية » على ذلك العمل الإجرامي المضاد لكل ما علّمنا إياه القرآن عن أهل الكتاب . كذلك قتلة الرئيس السادات ، فقد فعلوا الشيء نفسه . وهذا يعني أننا لا نستطيع أن نهمل هذا « التفسير » لكي نريح أنفسنا ونتخلّص من انحرافات الجهل وضميرنا مرتاح . وهذا ما يفعله جمهور المسلمين المعاصرين عندما يقولون لك بأن أعمال العنف التي يرتكبها المتطرّفون لا يمكن أن تؤثّر في مجمل المجتمع الذي ينتمون إليه ، ولا في الرسالة القرآنية التي يزعمون أنهم يستخدمونها أو ينتمون إليها . على العكس ، ينبغي أن نأخذ على محمل الجدّ هذه التفسيرات وتلك الممارسات . وينبغي أن ندمجها داخل الاستخدامات الاجتماعية والدينية - السياسية من أجل تعميق التحليل التفكيكي أو تجذيره بشكل أكثر . وأقصد به تحليل العلاقات الكائنة بين العنف ، والتقديس والحقيقة . وعندئذ تصبح المسألة الأساسية هي التالية : كيف يشكّل الخطاب الديني المعنى بالنسبة لمختلف أنواع الناس الذين يستخدمونه بصفته الذروة العليا للمشروعية ؟ نسأل ذلك ونحن نعلم أن طريقة تعبيره أو تركيبه للمعنى تقع فوق كل احتجاج أو مناقشة ، وتتطلب بالتالي طاعة مباشرة ، عفوية ، وأكاد أقول ذليلة بل وحتى محبة أو مغرقة في الحب . وهناك سؤال ثاني يتولّد عن الأول : كيف يمكن أن نجبر الناس على أن يهضموا في علاقتهم مع المعنى ذلك التمييز الثاقب ، ولكن الحاسم ، بين المعنى وأثر المعنى ، إذا ما علمنا أن هذا الأخير كان قد رسّخ من قبل الخطاب الديني ، ثم تمّ تدعيمه من قبل خطاب الميتافيزيقا الكلاسيكية ؟ أي تمّ ترسيخه وتدعيمه بصفته جوهرانيا ، معصوما ، مقدّسا ، يتعالى على كل المشروطيات الظرفية للّغة ، والتاريخ ، والذاكرة الثقافية الجماعية . وهي مشروطيات تمارس دورها داخل المثلثات الستة المذكورة آنفا والخاصّة بكل تشكيلة ( أو مفصلة ) للمعنى . إن الفكر الحديث يتمايز عن الفكر المبني على ما يدعى بالمعنى الشائع أو المعنى الصائب من خلال الشيء التالي : وهو أنه يؤشكل « * * » كل عملية إنتاج للمعنى ، وذلك عن

--> * الكتاب بالإنكليزية هو التالي : ، Interpretation Quran . Formative The : Ashgate ، Variorum ، A . Rippn . 1999 * * كنت قد ترجمت المصطلح الفرنسي Problematisation بالأشكلة ، وأما الفعل فهو أشكل ، يؤشكل Problematiser ، أي جعل إشكاليا ما يبدو لنا للوهلة الأولى بدهيا أو تحصيل حاصل . وأشكلة الخطاب الديني تعني بالضبط : الكشف عن تاريخيته أو نزع البداهة عنه . فنحن نعتقد جميعا أننا نفهم القرآن ونعرف ما هو لمجرد أننا ولدنا في بيئة إسلامية ، أو نعرف الإنجيل لأننا ولدنا في بيئة