محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
35
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
ذات الهيبة الكبرى . فالتحليل السيميائي يقدّم لنا فرصة ذهبية لكي نمارس تدريبا منهجيا ممتازا يهدف إلى فهم كل المستويات اللغوية التي يتشكّل المعنى ( أو يتولّد ) من خلالها . وهذه الخطوة المنهجية تمتلك أيضا رهانات أبستمولوجية . فهي تتيح لنا - وهنا تكمن أهميتها الحاسمة - أن نترك مسافة نقدية فكرية بيننا وبين المسألة الأساسية التي تخصّ المؤلّف والمكانة المعرفية للخطاب القرآني . وينطبق الأمر بالطبع على كل نصّ آخر مشابه من النصوص المقدسة التي رفعت إلى مرتبة الوظيفة التأسيسية من قبل البشر لأجل حكم البشر . إذا ما أنجزنا التحليل السيميائي بشكل صحيح ودقيق ، فإن ذلك لن يؤدي بالضرورة إلى إنكار دور الذات الحرة في توليد المعنى وتحديده . وإنما سوف نكتشف بوضوح كيف أن الخطاب ككل مشكّل أو مركّب لغويا طبقا لتقنية الإقناع ، والاحتجاج ، والتأسيس أو التعليم . وباللغة السيميائية يمكننا القول بأن كل وحدة نصّية من وحدات الخطاب القرآني مبنيّة على أساس سلسلة متسلسلة من الأحداث المركّبة على هيئة بنية دراماتيكية أو مسرحية مثيرة « * » . وهذه الأحداث هي : 1 - اللّه يطلق حكما أو يبلّغ رسالة ؛ 2 - بعض الذين توجّه اللّه إليهم بالخطاب يرفضون الاستماع إلى رسالته . والبعض يستمعون إليها ولكنهم يرفضون الإيمان بها . والبعض يقبل الرسالة بصفتها معرفة ، ولكنهم يرفضون اتباعها في العبادة والحياة اليومية . فقط بعض الأشخاص الملهمين جيدا يقبلون بالرسالة تماما ، وهؤلاء هم المؤمنون ؛ إنهم حزب اللّه ؛ 3 - يوم الحساب سوف يجيء لا محالة . وعندئذ سوف يكافأ المؤمنون عن طريق النجاة في الدار الآخرة ، ويعاقب العصاة وينبذون من قبل اللّه ، ويكون مصيرهم جهنم وبئس المصير . إن هذه البنية السيميائية النموذجية ، أي التي تشكّل نموذجا معياريا أعلى ، قد جسّدت في المخطط البياني اللاحق ( ص 62 ) . ولكي نفهم تماما المقاصد والمضامين النظرية لهذا المخطط البياني ، فإنه من الضروري أن يلجأ القارئ إلى القاموس الذي ألّفه غريماس / كورتيس « * * » . وأما بالنسبة لقرّاء اللغة الانكليزية ، فبإمكانهم أن يستخدموا قاموس فونتانا
--> * يوضّح أركون هنا البنية السيميائية أو الشبكة الدلالية والمعنوية التي تخترق الخطاب القرآني من أوله إلى آخره . ويصفها بأنها بنية دراماتيكية مثيرة لأنها مسرح للصراع بين عدة أطراف أو بالأحرى بين طرفين أساسيين : النبي ومن آمن بدعوته ، والآخرين الذين رفضوا هذه الدعوة . ثم يحصل الصراع المسلّح بين الطرفين حتى يحسم لصالح الدين الجديد . وبالتالي فهي بنية دراماتيكية ، أي صراعية . * * يقصد أركون قاموس : la de raisonne Semiotique . Dictionnaire : J . Courtes et A . G . Greimas . 1986 : II Volume ؛ 1979 : I Volume ، Hachette ، Paris ، language du theorie