محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
29
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
عندما أقول المخيال ، أو أستخدم مصطلح المخيال ، فإني لا أريد أن أفرّغ نموذج العقلانية المستخدمة في كل تراث ديني من أي وجهة نظر عقلانية . وإنما أريد بالأحرى إدخال مقولة انتربولوجية لكي أفسّر كيف أن تصور الوقائع ، وكل اللغات اللاحقة المستخدمة للدلالة على هذه الوقائع ، قد نقل من إطار التحليل العقلاني إلى الدائرة الخيالية للتصوّرات العقلية والتعلّق العاطفي . إن الخيال ، على طريقته ، هو ملكة من ملكات المعرفة . ان المخيال يساهم في هذه الفعالية بصفته وعاء من الصور وقوة اجتماعية ضخمة تكمن مهمتها في إعادة تنشيط هذه الصور بصفتها حقائق رائعة ، وقيما لا تناقش ، تكون الجماعة مستعدة لتقديم التضحية العظمى من أجلها . إن أعضاء الجماعة الذين ماتوا من أجل القيم المشتركة يصبحون شهداء ويضيفون بذلك أبعادا تقديسية وتنزيهية إلى هذه القيم . وعبر هذه العملية التاريخية والاجتماعية والنفسانية تغتني الذاكرة الجماعية ، ويمتحن المخيال الاجتماعي ويظل حيا . ولكن التحديد المناسب والنقدي والعقلاني للرهانات الحقيقية المنخرطة في التاريخ الفعلي للجماعة تكون قد قلّصت أهميته ، وحجبت ، وأجّلت . إن التجديد المعرفي والابستمولوجي الذي أقترح مدّه لكي يشمل التراث الإسلامي كان قد طبق سابقا على التراث اليهودي - المسيحي . ولكن هذا التجديد لا يزال يؤجّل ويرفض بل ويحرّم عندما يتعلق الأمر بإدراج الوحي نفسه داخل برنامج البحث . يقول عزيز العظمة : « ما يجدر ذكره هنا هو نطاق الحضارة القديمة المتأخرة لمنطقة الغرب الآسيوي المتوسطي ( أو الشرق الأدنى ) . فقد كان لهذا النطاق الحضاري تماسكه الملحوظ من حيث التواصلية المكانية والزمانية . وهذا النطاق كان مشكّلا من قبل التصوّرات والمؤسسات والنظم الهلنستية والرومانية - البيزنطية . وهذه التصوّرات والمؤسسات والنظم كانت متناغمة جدا مع ما يدعى بالمفاهيم الشرقية المتعلقة بالنظام الملكي والألوهة ( أو اللّه ) . وهي مفاهيم كانت شائعة أو منتشرة في منطقة الشرق الأوسط القديم لدى الفرس والبابليين ، ثم إلى حد ما قبلهم لدى المصريين . . . » ( عزيز العظمة ، مصدر مذكور سابقا ، ص x ) . قبل أن نواصل طريقنا للتحدّث عن التحوّلات المتلاحقة التي طرأت على التراث الإسلامي ، دعونا نستبصر الأمور أكثر حول مفهوم الوحي انطلاقا من القرآن نفسه . فمن المعلوم أن هذا المفهوم سوف يتلاعب به لاحقا من قبل أشخاص مأذونين ( أو أكفياء ) ، وغير مأذونين مع الكثير أو القليل من استخدام الأسئلة والأدوات والمناهج الملائمة وذلك لتلبية أغراض شتى . كنت قد وضّحت ذلك في مقالات عديدة سابقة جمعت في كتابي قراءات في القرآن ( الطبعة الثانية ، تونس ، 1991 ) . أما هنا فسوف أتخذ كمثال تطبيقي للتحليل سورة العلق لأنها تتيح لنا أن نكتشف مقدارا أكبر من الوقائع والتحديدات الواردة في التراث الإسلامي الأرثوذكسي .