محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
23
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
يمكن أن تحلّل أو تدرس وتفهم بصفتها مجتمعات الكتاب المقدّس / الكتاب العادي « 1 » . وهذه المجتمعات من يهودية ، ومسيحية ، وإسلامية تتصوّر نفسها على أساس أنها مقودة من قبل اللّه ، ومنظّمة ومحكومة طبقا لشرع اللّه الموحى في الكتاب المقدس . وهذا الكتاب المقدس محميّ ومدعوم من قبل الخليفة ، أو السلطان ، أو الملك ، أو الأمير المحلّي ، أو الإمبراطور ، أو البابا . كما أنه منطوق ومفسّر بواسطة اللّغات الكهنوتية للحاخامات ، أو الكهنة ، أو علماء الدين ( رجال الدين ) ، في ما يخصّ الإسلام . وفي كل تعاليمه المعيارية نلاحظ أنّ الكتاب المقدس مستوعب أو مدموج في كلا مستوييه : الكتاب السماوي الذي يقابله في اللغة المسيحية الأب والروح القدس ، ومستوى الكتاب المادي ، المتجسد كتابة في مجلّد كالتوراة ، والإنجيل ، والقرآن ، وهو يحتوي على « كلام اللّه الموثوق » الذي أصبح في متناول الناس من خلال اللّغات البشرية . بعد أن وصلنا في الحديث إلى هذه النقطة ينبغي أن نوضّح مسألة لاهوتية . فالمسيحيون يرفضون المطابقة بين مكانة التوراة والإنجيل من جهة ، وبين يسوع المسيح من جهة أخرى . لما ذا ؟ لأن يسوع المسيح هو ابن اللّه : ليس بالمعنى النسبيّ البيولوجي المدان من قبل القرآن ، وإنما بمعنى اللّه مجسدا على الأرض في شخص بشري هو يسوع الناصري . أما المسلمون فيرفضون للسبب نفسه إقامة مطابقة بين المكانة الإلهية للقرآن وبين المكانة البشرية والنسلية لعيسى ابن مريم « * » . وإذا ما واصلنا هذه المقارنات فإننا سنقول بأن محمدا ابن عبد اللّه يتخذ المكانة المحددة له في نسبه الاجتماعي والسياسي المعروف ، تماما كما يتحدث القرآن عن عيسى ابن مريم مشدّدا على طبيعته الجسدية الدموية ومنكرا المكانة اللاهوتية التي يخصّصها له المسيحيون . وبحسب ما تقول نظرية جماليات التلقّي « * * »
--> ( 1 ) في ما يخص هذا المفهوم ، انظر دراستي التالية : « مفهوم مجتمعات الكتاب المقدس / الكتاب العادي » . وهي دراسة منشورة في كتاب جماعي صدر عام 1991 : a Interpreter . Hommage : Collectif Ouvrage 1991 ، Cerf ed . Le ، Paris ، Geffre Claude ؛ وكذلك القسم الأخير من هذا الفصل ( ص 80 وما بعدها ) . * هنا ينبغي أن ندخل في المقارنات والتفاصيل الدقيقة الشديدة الأهمية . فالذي يقابل المسيح لدى المسلمين ليس هو النبي محمد على عكس ما نتوهم ، وإنما هو القرآن . لما ذا ؟ لأن المسيح لدى المسيحيين أكثر من نبي ، على عكس محمد الذي هو نبي فقط ، . بل وبشر . أما يسوع المسيح فقد تجسّدت فيه كلمة اللّه ، أو الأب والروح القدس . وبالتالي ، فله طبيعة فوق بشرية ، أي إلهية ، تماما كالقرآن . هكذا نجد أن اللّه تجسّد لدى المسيحيين في شخص بشري هو عيسى ابن مريم ، وتجسّد لدى المسلمين في نص لغوي هو القرآن . هنا تكمن فائدة تاريخ الأديان المقارن الذي يوضّح لنا ظاهرة التقديس التي تبقى واحدة في كل الأديان على الرغم من اختلاف تجليّاتها . * * نظرية جماليات التلقّي reception la de Theorie هي إحدى النظريات السائدة حاليا في مجال النقد الأدبي . ويعتبر الناقد الألماني هانز روبير يوس Jauss Robert Hans ، زعيم هذه المدرسة التي تدعى ب « مدرسة كونستانس » لأنها اشتهرت في جامعة هذه المدينة الألمانية ( يوس معاصر لنا ، وقد