محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

173

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

مترابطتين أو متضامنتين . ينبغي علينا أولا أن نقوم بتحديد تزامني للبنى المثولية أو الملازمة للدلالة والمعنى والخاصّة بنظام اللّغة العربية ما قبل القرآنية . نقصد بذلك اللغة العربية التي لم يؤثّر فيها بعد الحدث اللغوي القرآني « 1 » . وينبغي علينا ثانيا أن نبلور تحديدا بنيويا نشوئيا قادرا على متابعة التوسّع الدلالي للخطاب القرآني وانتشاره داخل الأنظمة الدلالية الثانوية أو الثانية بالأحرى ، ثم بالدرجة الأولى في الخطابات التي تحتلّ المرتبة الثانية . وهي أنظمة تطبع بطابعها وسماتها كل الثقافات الإسلامية . ويمكن أن نقول منذ الآن ما يلي : في ما يخصّ السيرورة التي تعبّر عن الجدلية الخاصة بالمجتمعات المؤسلمة ، فإن الخطاب القرآني يمارس دوره كنظام أصبح مستقرا لغويا بدءا من القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي ، ولكنه ظلّ ديناميكيا من الناحية السيميائية والدلالية . هذا في حين أن الخطابات الثانوية ( أو الثانية ) « 2 » تمارس فعلها بصفتها أنظمة متغيّرة لغويا ، لا مستقرّة ، ولكنها مسهبة أو مكرورة دلاليا وسيميائيا . 2 - أما المبحث الأساسي الثاني فينبغي أن يتركّز على مسألة التعالي أو إضفاء التعالي على الأشياء . ونقصد التعالي بصفته ممارسة ثقافية مشتركة لدى جميع المجتمعات التي انتشرت فيها ظاهرة الكتاب المقدس . كان عالم اللاهوت والفيلسوف الكلاسيكيّين قد شكّلا فضاء ميتافيزيقيا بمعونة المقولات التجريدية المعاملة كمزدوجات ثنائية متضادة . ونقصد بالمتضادات الثنائية هنا ما يلي : متعال / مثولي ، فوق طبيعي / طبيعي ، مقدّس / دنيوي ، سماوي / أرضي ، روحي / زمني أو مادي . . . إلخ . ويتعيّن على المؤرّخ أن ينبش عن العملية التي أدّت إلى توليد هذه المقولات لأول مرة ، وكيف تمّت بلورتها . وذلك لأنه ما إن تترسخ في نطاق اجتماعي - تاريخي معيّن حتى تمارس فعلها كنظام لإضفاء المشروعية على التصرفات الفردية والجماعية . ينبغي على التحليل النفسي - الاجتماعي - التاريخي أن يكشف في كل عمل فكري وفي كل فترة عن مختلف مستويات التعالي الذي يمكنه أن يكون عبارة عن مجاز مثالي رائع ، أو أسطرة ، أو تزييف ، أو تحريف ، أو أدلجة « 3 » . وفي سورة الكهف ، ثم بشكل أعمّ

--> ( 1 ) حول « أصول اللغة العربية الكلاسيكية » ، انظر : المناقشة الجارية حاليا في كتاب الباحث ج . وانسبرو : . ff 85 . p ، . op . cit ، Interpretation Scriptural of methodes and Studies . Sources Quranic : J . Wansbrough ( 2 ) أقصد هنا مختلف الخطابات المتجلّية في اللغات الإسلامية العديدة وبالدرجة الأولى العربية الكلاسيكية : الخطاب القانوني الفقهي ، الخطاب اللاهوتي ( علم الكلام ) ، الخطاب الأخلاقي ، الخطاب الفلسفي ، الخطاب الصوفي ، الخطاب التأريخي ( كتب المؤرّخين القدماء كالطبري ، وابن الأثير وسواهما . . . ) . ( 3 ) سيكون من الممتع أن ندرس من هذه الزاوية كتب الجاحظ ، وابن قتيبة ، والتوحيدي ، والغزالي ، وابن الجوزي ، والسيوطي . . . إلخ . بقي علينا أن نعمل الكثير لكي نخرج من حالة الخلط والإبهام هذه ، -