محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
164
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
ما نكتشفه في نهاية المطاف بعد دراسة مجريات التفسير التقليدي ووظائفه هو عملية تشكيل الممكن التفكير فيه تحت ضغط خطاب نموذجي أعلى متلقّى ومعامل وكأنه يتعالى على كل الخطابات البشرية . وكل ما لا يندرج داخل هذا الخطاب المثالي الأعلى أو كل ما ليس متطلبا من قبله ، إما أنه يقبل ويعترف به بصفته ممارسة مفيدة ، وإما أنه يرفض ويرمى في دائرة المستحيل التفكير فيه . ويؤدي ذلك ( داخل تراث فكري مديد ) إلى تراكم اللامفكّر فيه داخل هذا التراث ( في ما يخصّ الممارسة المفيدة هنا انظر المناقشات التي جرت بين الفقهاء حول المهن أو الحرف ، وحول العلوم ، أو المبتكرات والبدع المستجدة . . . إلخ ) . أريد أن أضيف هنا ما يلي : إن المصطلحات التالية : الممكن التفكير فيه / المستحيل التفكير فيه / المفكّر فيه / اللامفكّر فيه ، ينبغي أن تبلور بشكل تاريخي وسوسيولوجي ، وليس فقط من قبل بعض الفلاسفة كما هو حاصل حتى الآن . فنحن إذا ما بلورنا هذه المصطلحات بطريقة عملية محسوسة ، فإننا نستطيع أن نبرهن على نواقص التاريخ السردي للأفكار . وإذا ما طبّقناها على التراث الإسلامي ، فإنها تساهم في تعرية أو فضح الاستخدامات الأسطورية والإيديولوجية العديدة لهذا التراث بالذات . ويقوم بهذه الاستخدامات الفكر المعاصر السائد في العالم العربي أو الإسلامي « 1 » . وما سنقوله لاحقا عن سورة الكهف سوف يتيح لنا أن نقيس حجم اللامفكّر فيه ، هذا الحجم الضخم الناتج عن الحصر الصارم لما يمكن التفكير فيه ، كما برهن على ذلك مثال فخر الدين الرازي الذي كان يأنف من الاعتراف بأن موسى الوارد في الحكاية الثانية هو النبي المشهور الذي نعرفه . النتائج من الشروحات المسهبة والمطوّلة التي كرّسها الطبري وفخر الدين الرازي ومفسّرون آخرون عديدون لسورة الكهف يمكن أن نستنتج بعض النتائج التي غذّت تأملات المسلمين ومخيالهم عبر القرون . ولن نعدّد هنا سوى السمات الأساسية المشتركة التي ستتيح لنا لاحقا إيضاح مخطط قراءتنا وأهدافها بشكل أفضل . ويمكن إجمال هذه السمات في النقاط التالية :
--> ( 1 ) من أجل الاطلاع على البلورة الأولى لهذه المفاهيم انظر دراستنا المنشورة بالفرنسية : « الفكر العربي وأساليب حضوره في الغرب الإسلامي » : en arabe pensee la de presence de Eodes ) ) : M . Arkoun . op . cit ، islamique raison la de critique une Pour : In ؛ ( ( musulman . Occident من البدهي أن الخطاب القرآني ليس العامل الوحيد الذي يضغط على العلاقة بين الممكن التفكير فيه / والمستحيل التفكير فيه / واللامفكّر فيه . وإنما تدخل في اللعبة المعقدة عوامل أخرى ساهمت في توليد المجتمعات المدعوة إسلامية ، كالعوامل الاقتصادية والاجتماعية وغيرها .