محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
16
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
إنّ هدفي لا يكمن في بلورة نظرية لاهوتية « حديثة » للوحي وتمكين المثقفين المؤمنين من إقامة التوافق والانسجام بين إيمانهم وبين أزمة المعنى التي نشهدها حاليا . كنت أتمنى أن أفعل ذلك لو أن الفكر الإسلامي كان هيّأ منذ القرن التاسع عشر الشروط العلمية الكفيلة بتحقيق مثل هذه المهمة الصعبة . أقول ذلك ونحن نعلم أن المسيحية الكاثوليكية والبروتستانتية كانت قد أجبرت على أن تستوعب في تنظيراتها اللاهوتية كل الاعتراضات ، والتفنيدات ، والمعرفة العلمية الوضعية المتراكمة من قبل العلوم الإنسانية والاجتماعية منذ القرنين الثامن عشر - التاسع عشر « * » . وهي الآن في طور بذل محاولات جديدة لكي تعيد تقييم مفهوم الوحي . ولكنها لم تنجح حتى الآن في توسيع أشكلة المفهوم كما كان قد نشأ عليه في الأديان التوحيدية الثلاثة « 1 » . ومن المعلوم أن طموحي كان يهدف دائما إلى القيام بذلك ، منطلقا لتحقيقه من مثال الإسلام . أقول ذلك ونحن نعلم أن مثال الإسلام كان دائما يهمل أو يعرض على حدة من قبل المسار اللاهوتي السائد داخل الفكر اليهودي - المسيحي . لكي نشمل كل جوانب الموضوع فسوف أبتدئ بالتحليل الظاهراتي أو الفينومينولوجي للتحديد الأرثوذكسي للوحي كما كان قد استقبل وعيش عليه من قبل جميع المسلمين منذ القرن العاشر أو الحادي عشر الميلادي « * * » . على هذا الأساس
--> - آن معا . بمعنى أنه ينقد الحداثة ويغربلها لكي يطرح سلبيتها ولا يبقي إلا على إيجابيتها ، ثم يشكل عقلانية أكثر اتساعا ورحابة . وهي عقلانية تتجاوز عقل التنوير بعد أن تستوعب مكتسباته الأكثر رسوخا . إنها عقلانية لا تحتقر الجانب الروحاني أو الرمزي من الإنسان كما كانت تفعل العقلانية الوضعية الظافرة منذ القرن التاسع عشر والتي سيطرت على الغرب حتى أمد قريب . * يشير أركون هنا إلى التقدم الهائل الذي حقّقه الفكر المسيحي في أوروبا خلال القرنين الماضيين . والسبب هو أنه أضطر إلى مواجهة تحديات الحداثة منذ القرن الثامن عشر . ولذلك قام الفكر المسيحي ( الأوروبي وليس الشرقي ) بعدة ثورات لاهوتية لكي يستطيع أن يتماشى مع حركة المجتمعات الحديثة وتقدم الفكر العلمي والفلسفي . فلاهوت التنوير ، أو اللاهوت الليبرالي الذي نشأ في القرن التاسع عشر كان يعتبر ردا على تحديات الحداثة . ومن أهم اللاهوتيين الليبراليين كارل بارت Barth Carl ( 1886 - 1968 ) ، وردولف بولتمان Bultmann Rudolf ( 1884 - 1976 ) ، صاحب النظرية الشهيرة عن نزع الأسطورة عن الكتابات المقدسة ، وكلاهما الماني بروتستانتي . إنما هناك أيضا لاهوتيون كاثوليك كبار حاولوا عقلنة الإيمان المسيحي لكي يتماشى مع روح الحداثة . ( 1 ) كان الباحث الفرنسي جان آيف لاكوست قد أشرف على قاموس اللاهوت الذي صدر مؤخرا في باريس عن المطبوعات الجامعية الفرنسية ، 1998 . وقد أرفقت مادة « وحي » بمراجع غنية جدا وعديدة . فننصح القارئ باستشارتها : ، Paris ، « Revelation » . art ، Theologio de Dictionnaire : Lacoste - Yves Jean . 1998 ، . P . U . F * * أركون يعتقد أنه يقدّم شيئا جديدا بالنسبة لإضاءة مفهوم الوحي ليس فقط على المستوى الإسلامي ، وإنما أيضا على المستوى الغربي والأوروبي ككل . فهو يشمل أيضا الدينين اليهودي والمسيحي في بحثه ، وإن كان يركّز تحليلاته على المثال الإسلامي أساسا . والمقصود بالتحليل الظاهراتي ( أو الفينومينولوجي )