محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
150
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
المعرفية المرتبطة بالقرارات العديدة التي تنطوي عليها قراءة خطاب غير واضح المكانة . ولكي نحضّر القارئ لاستقبال مثل هذا التفكير ، فإنه من الضروري أن نقيّم أولا مجريات التفسير التقليدي ومعطياته . ما الذي ينبغي أن نحتفظ منه ؟ وما الذي ينبغي إهماله وتركه باعتبار أنه ينتمي إلى ممارسة ثقافية عفا عليها الزمن ؟ التفسير الإسلامي التقليدي هناك ثلاثة اتجاهات في ما يخصّ تفسير سورة الكهف . هناك أولا التفسير النحوي والتاريخي - الأسطوري الذي اتبعه المفسّرون القدماء ؛ وهناك ثانيا « التفسير التحليلي والسكوني للاستشراق » على حد تعبير لويس ماسينيون ؛ وهناك ثالثا التوسّع الرمزي للموضوعات الروحية والنموذجية المثالية للسورة في المخيال الجماعي وبخاصة في الأوساط الشيعية والصوفية . سوف نتوقف هنا عند الاتجاه الأول في التفسير ، وهو الاتجاه الذي تلقّى وجمع حكايات التراث الأكثر قدما . كما أنه هو الذي ثبّت الإطار ، والمجريات ، والإيضاحات الأساسية لكل الفعالية التفسيرية حتى يومنا هذا . هكذا نجد أن التبحّر الأكاديمي ، الاستشراقي وعمل المخيال الجماعي قد بقيا معتمدين على المعطيات المجموعة من قبل المفسّرين الكبار . لنوضح هنا قائلين بأن الأمر لا يتعلّق فقط بالتبعية قياسا إلى الوثائق المقدّمة لنا من قبل المصادر القديمة التي نصّبت غالبا عن خطأ - كما سنرى فيما بعد - بصفتها مصادر الدرجة الأولى « * » . في الواقع إن الاتجاهات التفسيرية الثلاثة يمكن نعتها بالكلاسيكية ضمن مقياس أنها نجحت في فرض نماذجها المعرفية حتى الآن ، وضمن مقياس أن هذه النماذج القسرية أو الإلزامية تنتمي إما إلى الموضوعاتية التاريخية - المتعالية للمعرفة داخل الحدود المعترف بها من قبل جميع « أهل الكتاب » كما يقول القرآن « 1 » ، وإما إلى المنهجية التاريخوية والفيلولوجية التي تهيمن عليها المسلّمات الوضعية قليلا أو كثيرا .
--> * نحن لا نستطيع أن نصل إلى مصادر الدرجة الأولى في ما يخصّ التراث الإسلامي . لما ذا ؟ لأنه على عكس ما يتوهم جمهور المسلمين ، فإن التراث الإسلامي لم يثبّت كتابة ( أو لم يدوّن ) قبل منتصف القرن الثاني للهجرة . بمعنى أن المسلمين ابتدءوا يدونون التراث بدءا من عام 150 ه فقط . أما الكتابات التي وجدت قبل هذا التاريخ فقد ضاعت أو اندثرت ولم تصلنا إلّا عبر التجميعات اللاحقة . والكتاب الوحيد الذي وصلنا عن تلك الفترة هو القرآن . لذلك فلا نستطيع أن نقارنه بأي نص معاصر له . . . فالقرآن هو النص الوحيد الموثوق . ( 1 ) إننا نستعيد هذا المصطلح الناجح ( أهل الكتاب ) ليس بمعناه اللاهوتي الذي لم يعترف به قط يوما ما لا اليهود ولا المسيحيون ، وإنما بصفته مفهوما اجتماعيا - ثقافيا .