محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
14
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
من كتابه ما معناه : « يجب على كل مسلم ، عالما كان أم غير عالم ، أن يسعى إلى فهم القرآن ، وأن يكشف عن مكنوناته ، وأن يستضيء بأنواره وهدايته . فهو الكتاب الذي يضمن للبشر السلام ، والسعادة ، والنظام . إنه يرفع من مكانتهم ، ويزيد في رفاهيتهم بل ويساعدهم على التوصل إليها . يضاف إلى ذلك أن القرآن هو مرجع لكل علماء اللغة والمعاجم ، ودليل لعلماء النحو ، ومستند أعلى للفقيه المجتهد ، ونموذج يحتذى للأديب ، وغاية البحث المواظب للحكيم ، ومعلّم للواعظ المبشّر ، ومثابة لكل رجل ذي خلق ودين . منه اشتقت العلوم الاجتماعية ومبادئ الإدارة العامة للدولة . وعليه ترتكز العلوم الدينية . على ضوء هدايته اكتشفت أسرار الكون وقوانين الطبيعة . إن القرآن هو المعجزة الخالدة للدين الخالد . إنه المصدر النبيل والشريف للشرع النبيل والشريف [ الشريعة الإلهية ] ( ص 26 ) . يمكننا أن نقرأ نفس التصريحات التبجيلية ونفس الانتماء الحارّ والقوي للمعتقدات الشائعة بين جميع المؤمنين الإسلاميين في مئات الكتب المكتوبة عن هذا الموضوع نفسه منذ أن أخذ النقل الشفهي للتراث الديني يجمع ويكتب من قبل العلماء في القرون الوسطى . والسمة الأكثر إدهاشا في هذا الخطاب المتجذر عميقا في وعي الملايين هي الاقتناع التالي الذي كان مفهوما في القرون الوسطى ، ولكنه أقلّ موثوقية في السياقات المعاصرة المتعدّدة الثقافات . مؤدى هذا الاقتناع ما يلي : إن القرآن هو عبارة عن المرجع الأعلى والنهائي لكل البشر . فهو يحتوي على كل جواب لأي سؤال . كما ويحتوي على الحلول التي يحتاجها البشر في كل زمان ومكان . وهو يتعالى على أي نمط من أنماط ما ندعوه اليوم بالتاريخية ، ولا يتأثر بها على الإطلاق « * » . والآن انتقل إلى الكتاب الثاني . لا أعرف كيف انتقل السيد شحرور من مجال الهندسة إلى مجال آخر مختلف تماما هو : مجال الدراسات الإسلامية . ولكننا نلاحظ منذ القرن التاسع عشر أن المسلمين المتخصصين في العلوم الدقيقة يتدخّلون بسهولة في الدراسات القرآنية ويكتبون عنها كتبا تحظى بنجاح كبير في المكتبات . فمثلا كان المهندس الجزائري مالك بن نبي قد فرض نفسه في النصف الأول من القرن العشرين بصفته مفكّرا مسلما كبيرا
--> - الأمل . كما واعترف المجمع الكنسي المذكور بحقّ العلماء في دراسة التوراة والأناجيل طبقا للمنهج التاريخي . وكان ذلك يمثّل حدثا تاريخيا بالفعل . * مفهوم « التاريخية » غير وارد على الاطلاق بالنسبة للوعي الإسلامي التقليدي . فالنصوص الدينية تتعالى على التاريخ في نظره . ولكن البحث التاريخي الحديث يثبت لنا أن القرآن مرتبط بظروف عصره وبيئته : أي بشبه الجزيرة العربية - وبخاصة منطقة الحجاز - في القرن السابع الميلادي . فألفاظه ومرجعياته الجغرافية والتاريخية تدلّ على ذلك . يضاف إلى ذلك أن حياة النبي وتبشيره بالدعوة ومعارضة أهل مكّة له وما حصل من أحداث وحروب ، كل ذلك نجد أصداءه واضحة في القرآن . هذا لا ينفي بالطبع أنه كتاب موحى من قبل اللّه أو مستلهم منه ، ولكن الوحي يتخذ في كل مرة صيغة اللغة والقوم الذين وجه إليهم هذا الوحي .