محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

134

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

النظم والإيقاع : هل هناك من داع للتذكير بأهمية الدور الذي يلعبه التشديد ، والإيقاع ، والنغم ، والمدّة ، وارتفاع الصوت ، والكثافة في عملية القول ؟ بل إن نظرية النظم الألسنية تلحّ على العلاقة الأساسية الكائنة بين علم النحو والنبرة ( أداء الصوت ، النغم ) . وفي ما يخصّ اللغة العربية ، وبالأخص النصّ القرآني ، نحن نمتلك أدبيات غنيّة وغزيرة خاصة بالنظم والإيقاع « * » . ولا تزال تنتظر من يدرسها طبقا للمناهج الحديثة في التحليل العلمي . ولكن ، في الحالة الراهنة لمعرفتنا ، فإنه من غير الممكن أن نخاطر بتفسير مرض لنصّ قصير كنص الفاتحة . إن بروتوكول القراءة الشعائرية وتقنين التجويد يقدّمان لنا بعض التعليمات التي لم يدرس تأويلها الصوتي والفونيمي والنظمي - الإيقاعي بشكل جاد حتى الآن . ولهذا السبب فإننا سنكتفي فقط بالتنبيه إلى الملاحظة البسيطة التالية ، وهي وجود قافية ( إيم ) متناوبة مع قافية ( إين ) في سورة الفاتحة « * * » . أما في ما يخصّ الوحدات الصوتية الصغرى ( الفونيمات ) ، فإننا نلاحظ هيمنة الوحدات التالية : ميم ( 15 مرة ) ، لام ( 12 مرة ) ، نون ( 12 مرة ) ، عين ( 5 مرات ) ، ها ( 5 مرات ) . نحن نعلم أن التفسير التقليدي يضفي قيمة رمزية على كل وحدة صوتية وعلى عدد التكرارات . وبالتالي ، فإن الدراسة النظمية أو الإيقاعية للعلامات أو للكلمات ينبغي أن تتلوها الدراسة الرمزية « 1 » ( أو ينبغي أن تستطيل عن طريق الدراسة الرمزية ) . - III العلاقة النقدية : الفاتحة كمنطوقة أو كعبارة إن التحليل المجهري الذي انتهينا منه للتو والذي طبّقناه على سورة الفاتحة ، فتح لنا

--> * انظر نظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني مثلا . ولكن هناك نصوصا أخرى عديدة في النقد العربي القديم غيرها ، وهي جديرة بأن تدرس دراسة علمية دقيقة على ضوء أحدث المناهج المعاصرة . فالنقد العربي الكلاسيكي كان متطورا وغنيا جدا ، وكان يعرف كيف يكشف عن جمال الأدب العربي بشعره ونثره وعن جمال النصّ القرآني أيضا . * * القافية ( أيم ) ترد في الآيات التالية : بِسْمِ اللَّهِ . الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ . أما القافية ( إين ) فترد في الآيات التالية : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ . الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ . إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ . غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ . ( 1 ) ينبغي أن نقوم بردّ فعل ضد ممارسة كانت شائعة لدى الفقهاء ولكنها أكثر شيوعا الآن لدى المسلمين المعاصرين . وهي تتمثّل في انتزاع الآيات التشريعية ، والأخلاقية ، و « التاريخية » . . إلخ من نواتها التبشيرية الشعائرية . في الواقع إن الأمر يتعلق ببنى تابعة ، ولا يمكن معالجتها لوحدها أو بمعزل عن سياقها إلّا بقرار اعتباطي .