محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )
131
القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني
استخدام كلمة إيّاك مرتين قبل كل فعل : إيّاك نعبد ، إيّاك نستعين ) . هنا أيضا نلاحظ أن الوظائف النحوية أو التركيبية تتحالف مع القيم المعنوية لكي تعبّر بشكل مطابق أو صحيح عن الجدلية المشكّلة لكلا العاملين ، ولكي تقوّيها . إن فعل الأمر اهدنا الذي يجيء بعد الفعلين المضارعين ، لا يمكن أن يشتمل فعلا على قيمة الأمر . بل على العكس فإنه يوضح الاسترحام الموجود ضمنيا في نعبد ونستعين . أما الفعل الوحيد الذي يتخذ صيغة الماضي ( أنعمت ) ، فإن فاعله النحوي هو العامل رقم ( 1 ) . وهو يدلّ على حالة حصلت أو تمّت ولا مرجوع عنها . إنها ناتجة عن فاعل سيد ومستقل . وبالتالي ، فلا يوجد توتر مع الفاعل . والفجوة الكائنة بينه وبين فعله ، ما إن يتم هذا الفعل ، تهمّ المرسل إليهم ( عليهم ) . وهكذا يضيف التضادّ الكائن بين الفعل الماضي / والفعل المضارع سمة إضافية متميّزة لمكانتي كلا العاملين . الأسماء والتحويل إلى اسم في سورة الفاتحة : إن أهمية الأسماء تتجلّى في عدد المفاهيم البدئية أو الأصلية وفي اللجوء إلى التحويل إلى اسم . إنّ المفاهيم الأصلية هي تلك التي إذا ما اختزلت إلى جذرها المعنوي تفلت من التمفصلات المنطقية والصرفية التي تدخلها التحديدات التقنية إلى الكلمات أو المفاهيم المشتقة . وبالتالي ، فإن هذه المفاهيم الأصلية تحيلنا إلى كونية اللغة في تمفصلها المعنوي « الطبيعي » . إنها تقدّم معيارا صلبا من أجل تحديد تيبولوجيا للخطاب القرآني ، وللخطابات بشكل عام . إن نصّنا يحتوي على الكلمات البدئية أو الأصلية التالية : اسم ، ال - لاه ، حمد ، رب ، يوم ، دين ، صراط . على الرغم من أن كلمة عالم مشتقة ، وكذلك الصنو المتماثل رحمان رحيم . إلّا أن لها صيغة قريبة من الجذر ( جذر الكلمة في التصريف ) . ودراسة الحقل المعنوي لهذه الكلمات ينبغي أن تتمّ على مرحلتين : ينبغي أولا أن نربطها بالبنى الإيتيمولوجية ( أو الأصلية ) للمعجم العربي ، أي لمفردات اللغة العربية ؛ وينبغي ثانيا أن نقيّم التحوّلات المعنوية التي طرأت عليها داخل النظام اللفظي أو المعجمي المستخدم من قبل اللغة القرآنية « * » . لا
--> * يقصد أركون بذلك أن استخدام القرآن للغة العربية يختلف ويتشابه مع النصوص العربية الأخرى التي كانت سائدة في وقته أو سابقة له . فينبغي أن نطلع أولا على معاني الكلمات العربية كما كانت شائعة في منطقة الحجاز ، ونقارن بينها وبين معاني الكلمات القرآنية لكي نعرف ما ذا طرأ من تغير على معاني الكلمات ذاتها . فالقرآن قد يستخدم نفس الكلمة ولكن بعد أن يضفي عليها معنى جديدا يتناسب مع المنظور الديني أو الروحي الذي كان في طور تدشينه . وحتما ، فإن القرآن استخدم نفس الكلمات التي كانت شائعة في بيئته بعد أن أجرى عليها تعديلا طفيفا أو كثيرا . ولكن هل نمتلك نصوصا موثوقة وتعود إلى نفس فترة القرآن لكي نقوم بعملية المقارنة ؟ هذا هو السؤال .