محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

115

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

يبحث عن تحديد أسباب النزول الخاصّة بكل آية . ولكن هذه « الأسباب » لا تشمل جميع الظروف المتعلّقة بالوضعية العامة للخطاب ، بل هي بعيدة جدا عن ذلك . في الواقع ، إن أسباب النزول ليست إلّا ذريعة أو تعلّة . إنها عبارة عن الأسباب الخارجية ، أو نوع من القصة الصغيرة المرافقة لكل آية . سوف نرى ، على العكس من ذلك ، أن تجانسية المدوّنة النصّية القرآنية ترتكز على شبكة معجمية أو لغوية واسعة ، وعلى نموذج قصصي أو تمثيلي واحد لا يتغيّر « * » . 2 - هذه المدونة منتهية بمعنى أنها محصورة أو مغلقة أو ناجزة . إنها حاليا محدودة أو محصورة بعدد معيّن من العبارات أو الآيات التي تشكّلها . كما أنها ناجزة ومكتملة من حيث صيغة التعبير وصيغة المضمون ( نقصد بذلك أنماط التمفصل ما بين الدالّ والمدلول ، أو الدّالات والمدلولات ) . إن مفهوم الإنجاز أو الإكمال والتمام هذا يجنّبنا من السقوط في وهدة القراءة التبجيلية التي تلح بشكل أساسي على الطابع المعجز للقرآن . كما ويجنّبنا من الاكتفاء بالقراءة الفيلولوجية التي تبحث عن المصادر السابقة المؤثّرة في النص ، وعن غموضه ، وتناقضاته ، ونواقصه الأسلوبية . 3 - ولكن هذه المدونة ذاتها مفتوحة أو منفتحة على الرغم من محدوديتها أو اكتمالها . أقصد أنها منفتحة على السياقات الأكثر تنوّعا والتي تنطوي عليها كل قراءة أو تفرضها . بمعنى آخر ، أنّ النصّ القرآني يقول شيئا ما ، ويؤمّن التواصل أو التوصيل ، ويحفّز على الفكر ، أيّا يكن الوضع العام للخطاب ، هذا الوضع الذي يتموضع القارئ داخله . وسوف نلتقي بهذه السمة الحاسمة مرة أخرى عندما نتحدث عن الأثر أو العمل المتكامل . على الرغم من أن المدونة القرآنية أصبحت مغلقة نهائيا وبشكل لا مرجوع عنه من

--> - علاقة له به على الإطلاق . ولذا يجد الكثيرون صعوبة في قراءة القرآن أو في فهمه نظرا لو عورته وغرابته وبعده عن مناخنا المعنوي واللغوي الحديث . ولكن في العمق هناك انسجام على مدار القرآن من أوله إلى آخره . فشبكة الضمائر التوصيلية ( أنا ، نحن ، أنت ، هم ) ( أو اللّه - محمد - البشر ) تخترق الخطاب القرآني كله . وكذلك الأمر في ما يخصّ البنية القصصية التي ترمز إلى النبي والأنصار / والكفار والمنافقين . . . إلخ . وإذن هناك انسجام على مستوى العمق لا على مستوى السطح . * النموذج القصصي أو التمثيلي يقابله في الفرنسية المصطلح التالي المستمد من علم الألسنيات الحديثة : actantiel model . le والمقصود بالنموذج القصصي أو التمثيلي لحكاية ما ذلك النموذج الذي نستخدمه لتوضيح البنية الداخلية للقصة أو للحكاية . فهو الذي يساعدنا على دراسة الممثلين الأساسيين الذين يلعبون مختلف الأدوار في القصة أو الحكاية أو الأسطورة . فالبنية الأساسية لكل قصة مشكّلة من أربعة أشخاص أو عاملين أساسيين هم : البطل ، الغاية التي يبحث عنها ، المساعدون أو الأنصار الذين يساعدونه من أجل بلوغها ، والأعداء الذين يعترضون طريقه ويحاولون منعه من تحقيق بغيته .