محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

106

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

بحسب الأولوية والأهمية ، وبحسب علاقاتها بالمهام التي يهتمّ بها البحث المعاصر في العلوم الإنسانية . فلقد آن الأوان بالنسبة للفكر الإسلامي لأن يقطع ، إن لم يكن مع خطاب التبجيل الذاتي للذات ، فعلى الأقلّ ، لأن يوازنه بخطاب آخر ، هو خطاب الفكر الجاد والمسؤول . وأقصد بذلك أن عليه أن يتخذ القرار التالي : أن يتحمّل مسؤولية المخاطر الحديثة للمعرفة العلمية ، وذلك بالتضامن مع جميع التراثات الثقافية الكبرى للبشرية . لكي نجعل إعادة قراءة القرآن تتقدم في هذا الاتّجاه ، فإنه يبدو لنا من الضروري أن نكثّف جهودنا في الاتجاهات التالي بيانها : 1 - تحديد نظام اللّغة العربية بين عامي 550 و 632 م هذان التاريخان ليسا إلا نقطتين استدلاليتين يمكن للبحث أن يؤكدهما أو يعدّلهما لاحقا . لا ريب في أنه توجد أدبيات غزيرة حول العرب قبل الإسلام وخلال فترة الوحي . ولكن بقي علينا أن نقوم بجردة نقدية موثوقة للوثائق التي سوف تستخدم كقاعدة من أجل تحديد اللغة العربية المعاصرة للقرآن . ومثل هذه الجردة لا ينبغي أن تحتفظ بالعناصر الإيجابية فقط ، وإنما ينبغي علينا أيضا ، وبالدرجة ذاتها ، أن نهتمّ بما سندعوه بالمعطيات السلبية المرافقة لكل إعادة قراءة حديثة للقرآن . ونقصد بذلك ما يلي : بما أن بعض المواد أو الوثائق الأساسية والضرورية للتوصّل إلى معرفة صحيحة بالقرآن قد اندثرت إلى غير رجعة ، فإنه ينبغي علينا أن نعترف بأن أية إعادة قراءة لا يمكنها أن تتوصل إلى المعنى التاريخي الكامل للعبارات اللغوية القرآنية « * » . وهذه العقبة التي لا حيلة لنا فيها قادرة وحدها على عرقلة الاستغلال الايديولوجي للخطاب القرآني . ولهذا السبب نلاحظ أن الفئات الاجتماعية التي تعيش على هذه الإيديولوجيا تصرف النظر عن هذه العقبة لكي تحافظ على الوظيفة التعبوية أو التجييشية للنصّ . وهكذا نلاحظ أنه يوجد اختلاف أساسي بين مصالح المعرفة الموضوعية ، وبين الضرورات الملزمة أو الإجبارية لحياة الفئات الاجتماعية . ونلاحظ أيضا أن هذا الاختلاف أو التناقض يحصل بخصوص جميع النصوص الكبرى التي استخدمت كمحرّك إيديولوجي . هكذا نجد أن اللغة الدينية تسحب باستمرار في اتجاه الاستخدامات الإيديولوجية ( لا يوجد دين إلا وتعرض للاستغلال الإيديولوجي أو السياسي من قبل هذه الفئة أو تلك ) . وبالعكس ، فإن النموذج الإيديولوجي الظافر ( كالنموذج السنّي المالكي في الغرب

--> * في ما يخصّ هذا المفهوم الألسني « ظرف الخطاب » أو حيثيات الخطاب ، انظر المبحث الثالث في هذا الكتاب : « قراءة سورة الفاتحة » . وظرف الخطاب يعني كل الحيثيات والظروف المحيطة بالخطاب أثناء لفظه أو النطق به لأول مرة . فمثلا كيف كان النبي ينطق بالآيات القرآنية أمام أهل مكة ؟ وضمن أية ظروف ؟ وكيف كانوا ينظرون إليه أو يتلقون كلامه وهو ينطقه ؟ هذه أشياء يستحيل أن نصل إليها .