محمد أحمد خلف الله

86

الفن القصصي في القرآن الكريم

قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا وقالوا لو كان ذلك خيرا من اللّه عن قدر لبثهم في الكهف لم يكن لقوله قل اللّه أعلم بما لبثوا وجه مفهوم وقد أعلم اللّه خلقه مبلغ لبثهم فيه وقدره » « 1 » . موقف القرآن من قصة أصحاب الكهف موقف من لا يحكي الحقيقة التاريخية وإنما يحكي أقوال اليهود التي قد تطابق الحقيقة وقد لا تطابقها ومن هنا لا يصح أن يتوجّه أي اعتراض على هذه القصة من حيث اختلافها مع الواقع لأن تحقيق هذا الواقع ليس المقصود من القصة في القرآن الكريم وسنزيد هذه القصة بيانا وإيضاحا في الباب الثاني إن شاء اللّه . وأما قصة ذي القرنين فقد سبق أن شرحنا أن القرآن إنما يصوّر في هذه القصة وبخاصة عند حديثه عن غروب الشمس ما يراه القوم بأعينهم وبعبارة أخرى يعبر القرآن عن مبصرات القوم كما يستطيعون رؤيتها لا حقيقة ما يقع وإذا كنا سنقف عند هذه القصة في الباب الثاني لنثبت أن القرآن إنما صوّر في هذه القصة ما كانت تعرفه الجماعة العربية عن ذي القرنين وعن غروب الشمس من طريق السمع وأنه صوّر . مسموعاتهم لا مبصراتهم فأنّا سنقف هنا لنرى رأينا في مذهب القرآن البلاغي . فهل كان يقيم تشبيهاته واستعاراته كما كانت تقيمها العرب على العرف والعادة أو كان يتطلب الحقيقة العقلية ليقيم عليها بيانه العربي من تشبيه واستعارة ومن كناية وتمثيل ؟ كان القرآن يجري على الصور الذهنية أو على الواقع النفسي في تشبيهاته واستعاراته حين يتحدث عن جهنّم ويصف طعامها والشراب وحين يتحدّث عن الذي يتخبّطه الشيطان من المس . جاء في الرازي عند تفسيره لقوله تعالى إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ « 2 » ما يلي : « وأما تشبيه هذا الطلع برءوس الشياطين ففيه سؤال لأنه قيل إنّا ما رأينا رؤوس الشياطين فكيف يمكن تشبيه شيء بها ؟ وأجابوا عنه من وجوه الأول : وهو الصحيح أن الناس لما اعتقدوا في الملائكة كمال الفضل في الصورة والسير واعتقدوا في الشياطين نهاية القبح والتشويه في الصورة والسيرة فكما حسن

--> ( 1 ) الطبري ، ج 10 ، ص 102 ( 2 ) سورة الصافات ، الآيتان 64 - 65 .