محمد أحمد خلف الله
81
الفن القصصي في القرآن الكريم
( 1 ) إهمال القرآن حين يقص لمقوّمات التاريخ من زمان ومكان فليس في القرآن الكريم قصة واحدة عني فيها بالزمان . أما المكان فقد أهمل إهمالا يكاد يكون تاما لولا تلك الأمكنة القليلة المبعثرة هنا وهناك والتي لم يلفت القرآن الذهن إليها عرضا . على أن القرآن عمد إلى إهمال الأشخاص في بعض أقاصيصه إهمالا تاما . وهذه من المسائل التي سنعرض لها في الباب الثاني إن شاء اللّه . ( 2 ) اختياره لبعض الأحداث دون بعض فلم يعن القرآن بتصوير الأحداث الدائرة حول شخص أو الحاصلة في أمة تصويرا تاما كاملا وإنما كان يكتفي باختيار ما يساعده على الوصول إلى أغراضه أي ما يلفت الذهن إلى مكان العظة وموطن الهداية ولعله من أجل ذلك كان القرآن يجمع في الموطن الواحد كثيرا من الأقاصيص التي تنتهي بالقارئ إلى غاية واحدة . وتلك أيضا من المسائل التي ستشرح في الباب الثاني . ( 3 ) كان لا يهتم بالترتيب الزمني أو الطبيعي في إيراد الأحداث وتصويرها وإنما كان يخالف في هذا الترتيب ويتجاوزه الأمر الذي أكثر من الإشارة إليه صاحب المنار » « 1 » والذي نستطيع أن نجعل منه أيضا قصة لوط فقد قال تعالى في سورة الحجر فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصادِقُونَ * فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ * وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ * وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ * قالُوا أَ وَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ * قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ « 2 » ، فإن هذه القصة لو لوحظت مع إحدى قصص لوط في القرآن كقصته في سورة هود مثلا لوجدنا القصة في سورة هود تجري على هذه الطريقة . مجيء الملائكة ثم حاله واضطرابه النفسي ، ثم مجيء القوم ثم موقفه وعرض بناته حتى لا يخزى ، ثم ردّهم عليه وعزمهم على إتمام قصدهم ، ثم موقف الملائكة
--> ( 1 ) المنار ، ج 1 ، ص 346 وج 8 ، ص 502 . ( 2 ) سورة الحجر ، الآيات 61 - 73 .