محمد أحمد خلف الله
78
الفن القصصي في القرآن الكريم
البعد من الواقع التاريخي وبعبارة أخرى قد يكون تحري الصدق والصحة أو المجاوزة عن هذا التحري وذلك لأن الأدب يكتفي في كثير من الحالات بالمشهور المتداول من المعارف التاريخية أو بالصور الذهنية للجماعة البشرية عن هذا الكون وأحداثه وبخاصة حينما يقصد إلى هذه المعارف ليتّخذ منها المواد التي تعينه على ضرب الأمثال وقص القصص . وإذا كان من المحدّثين من يعبّر عن هذه الحالة بقوله إن الأدب يتناول الأشياء لا كما هي بل كما تبدو في ظاهرها ولا كما هي كائنة في ذاتها بل كما تدركها الحواس وتؤثّر في عواطفنا فإن من الأقدمين العرب من فطن إلى هذه الحقيقة الفنية وأولئك هم البلاغيون إذ ليس يخفى أنهم اكتفوا في اللزوم باللزوم الذهني الذي يقوم على العرف والعادة ولم يتطلبوا اللزوم العقلي المنطقي الذي يقوم على حقائق الأشياء في ذاتها لا كما تدركها الحواس . واكتفاؤهم باللزوم العرفي في مسائل البيان من تشبيه واستعارة ومن كناية وتمثيل ومن قص القصص لضرب الأمثال وللهداية والإرشاد يجعلهم في حل من أن يعتمدوا من قضايا التاريخ ما هو المشهور المتداول حين يقصّون القصص ويضربون الأمثال وليس يلزم أن يكون هذا المشهور والمتداول مطابقا للحق والواقع لأن هذه المطابقة إنما يتطلّبها المؤرّخ والفيلسوف لا الشاعر ولا الأديب القاصّ « 1 » . وأما حدود هذه الحرية فقد تتسع لدى القاصّ حتى لتشبه قصته أن تكون أسطورة أو ضربا من ضروب الخيال وقد تضيق حتى لتشبه القصة أن تكون كتابا من كتب التاريخ والأمر بعد متوقّف على قصد الأديب فإن كان تعليم التاريخ بواسطة القصة ضاقت هذه الحدود لكن لا إلى الحد الذي تفسد فيه الحقائق التاريخية على القارئ استمتاعه بالفن . أما إن كان القصد من القصة التاريخية الاعتماد على ذلك الميل النفسي ميل المحبة لكل ما هو قديم لأنه يكسب القصة روعة وجلالا ويضفي عليها شيئا من السحر ويكسبها تلك القوة التي تجعلها قريبة من الواقع وتجعل القارئ أو السامع يصدق بسهولة كل ما جاء فيها فإن هذه الحرية تتسع لكن لا إلى الحد الذي يتعارض فيه الواقع التاريخي مع قضايا
--> ( 1 ) راجع شروح التلخيص ، ج 3 ، ص 373 .