محمد أحمد خلف الله

37

الفن القصصي في القرآن الكريم

والقلوب وعند ذلك كانوا يمكّنون للدين وقضاياه ويسيرون وهدى القرآن الكريم . ولاحظت أن القوم أعرضوا عن الوقوف عند الأحداث والأشخاص من حيث تصويرها تصويرا معجزا رائعا ووقفوا عندها من حيث هي أداة من أدوات التاريخ ومن هنا أخذوا يسألون أنفسهم أسئلة عقدت القصص القرآني أمامهم فكانوا يسألون مثلا عن الحادثة أوقعت أم لم تقع ؟ وإذا كانت قد وقعت فمن الذي أوقعها ؟ وأين ومتى ؟ إلى غير ذلك من أسئلة حالت العناية بها بينهم وبين الوقوف على القصد الذي يرمي إليه القرآن من تصويره للأحداث من حيث هي أدوات ترغيب وترهيب وموعظة وعبرة وهداية وإرشاد ولو أن القوم درسوا الصيغ المعبّرة عن الأحداث على هذا الأساس لأراحوا واستراحوا وفطنوا إلى أمور كثيرة من أسرار الأعجاز ولعرفوا الفاعلية القوية لسحر الألفاظ . ولاحظت أخيرا أن المستشرقين قد عجزوا عجزا يكاد يكون تاما عن فهم أسلوب القرآن الكريم وطريقته في بناء القصة وتركيبها وعن الوحدة التي يقوم عليها فن البناء والتركيب ومن هنا ذهبوا إلى ذلك الرأي الخاطئ القائل بتطوّر الشخصية في القرآن الكريم . كما رأيتهم قد عجزوا عن فهم طبيعة المواد القصصية في القرآن وعن أسرار اختيارها ومن هنا ذهبوا إلى ذلك الرأي الذي سبقهم إليه المشركون من أهل مكة والملاحدة من المسلمين من القول بأن الذي يعلم محمدا بشر وأن بالقرآن أخطاء من أخطاء التاريخ . ولو أنهم فهموا أسرار القرآن لما كان منهم ذلك القول الذي يدل على جرأة على الحق وبعد عن روح العلم وهي مما لا يحب العلماء أن تكون من صفاتهم . لاحظت كل هذه الأشياء فأكدت في نفسي كما قلت عوامل اختيار الفن القصصي في القرآن الكريم ومنّيت النفس بحل المشكلات وإزالة الشبه وإني لأعتقد أنك سترى من ذلك ما يعجبك وما يرضيك . وهنا جدّ في الأمر جديد هو من الخطورة بمكان وهو أن القصص القرآني يحقق غرضا منهجيا في الدراسة الأدبية الجامعية . غرضا منهجيا حادت عنه كليتنا أو قسمنا على أقل تقدير مع أنه المنهج السليم فيما أرى وإليك البيان . كنت قد أحسست بحاجتي الملحة إلى الاطلاع على ما يفعله علماء الغرب حين يدرسون الأدب وتاريخه فاستجبت لهذا الإحساس وقرأت بعض الكتب التي تعالج هذه