محمد أحمد خلف الله

34

الفن القصصي في القرآن الكريم

تعالى لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ « 1 » . وصنف استعدّت نفوسهم وتهيّأت لأمثال هذه الدعوات وهم الذين قال فيهم إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ « 2 » . ونستطيع أن نمضي مع هذه الآيات وكثير غيرها فنرى أن القرآن الكريم يقصد إلى هذه الظاهرة فيصوّرها ويصوّر استعدادات النفوس فإن اختلف التصوير فلأمر يقصد كأن يكون القصد التسرية عن النبي عليه السلام وإزالة الهم والغم عن نفسه . أو يكون تنفير هؤلاء وأمثالهم من ذلك الموقف الذي يحيط به الجمود من كل النواحي . كما قد يكون غير هذين من أمور يستطيع الباحث الوقوف عليها . ولكن لن يكون منها فيما نعتقد ذلك الذي ذهب إليه المفسّرون من أن المولى سبحانه وتعالى قد حكم عليهم بعدم الإيمان في المستقبل ولسنا بحاجة إلى القول بأن كثيرين من هؤلاء الذين وصفهم القرآن الكريم بهذه الصفات قد آمنوا عام الوفود وعام فتح مكة فهذه أمور قد تكفّل بها التاريخ . ( 2 ) وفي تفسير المفسّرين أو في محاولتهم للتوفيق بين ألفاظ الجان والثعبان والحية من قصص موسى نراهم يهتمون بالمعاني ويعرضون عما تثيره الألفاظ من انفعالات وأحاسيس ومن هنا لا يوفّقون إلى الفهم الصحيح فيما نعتقد . يقول صاحب الكشاف في تفسيره لقصة موسى من سورة طه « فإن قلت كيف ذكرت بألفاظ مختلفة بالحية والجان والثعبان قلت . أما الحية فاسم جنس يقع على الذكر والأنثى والصغير والكبير وأما الثعبان والجان فبينهما تناف لأن الثعبان العظيم من الحيات والجان الدقيق وفي ذلك وجهان أحدهما أنها كانت وقت انقلابها حية حلالها تنقلب حية صفراء دقيقة ثم تتورّم ويتزايد جرمها حتى تصير ثعبانا فأريد بالجان أول حالها وبالثعبان مآلها . والثاني أنها كانت في شخص الثعبان وسرعة حركة الجان والدليل عليه قوله تعالى فلما رآها تهتز كأنها جان . وقيل كان لها عرف كعرف الفرس وقيل كان بين لحييها أربعون ذراعا » . وصاحب الكشاف ومن تابعه يعتقدون أنهم بهذا القول قد خرجوا من تناقض وأن

--> ( 1 ) سورة يس ، الآية 6 . ( 2 ) نفس السورة ، الآية 11 .