محمد أحمد خلف الله
23
الفن القصصي في القرآن الكريم
فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ . لأنه ليس نقصا في حد ذاته ، وقد جاء في كلامه تعالى : فهو ليس نقصا وإنما هو حق لأنه مبين للحق ومقرّر له وسائق إلى الأخذ به لما له من التأثير في النفس وذلك أن المعاني الكلية تعرض للذهن مبهمة فيصعب عليه أن يحيط بها وينفذ فيها فيستخرج سرها والمثل هو الذي يفصل إجمالها ويوضح إبهامها فهو ميزان البلاغة وقسطاسها ومشكاة الهداية ونبراسها . ورحم اللّه تعالى عبد القاهر الجرجاني إمام البلاغة والواضع الأول لعلمي المعاني والبيان ومؤلف أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز لتحقيق إعجاز القرآن حيث قال في كتابه الأول واعلم أن مما اتفق العقلاء عليه أن التمثيل إذا جاء في أعقاب المعاني أو برزت هي باختصار في معرضه ونقلت عن صورها الأصلية إلى صورته كساها أبهة وكسبها منقبة ورفع من أقدارها وشب من نارها وضاعف قواها في تحريك النفوس لها ودعا القلوب إليها واستثار لها من أقاصي الأفئدة صبابة وكلفا وقسر الطباع على أن تعطيها محبة وشغفا . . . » إلخ . هذا الذي يقال في المثل يقال في القصة لا لأن المثل قد يكون قصة أو أن القصة قد تجيء مثلا فحسب بل لأن هذا الذي يقال في التمثيل من حيث شرح المسائل والتمكين لها في الأنفس يقال مثله وأكثر منه في القصة . ولقد صرّح القرآن الكريم في كثير من المواطن بأن أخبار الأنبياء والمرسلين أو أقاصيصهم لم ترد في القرآن إلا على أساس أنها من الأمثال . قال تعالى وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ . . . « 1 » الخ . وقال تعالى ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ « 2 » إلخ . وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ . . . « 3 » إلخ . وعلى هذا الأساس جاء تعريف الرازي للقصة عند تفسيره لقوله تعالى إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ « 4 » كما جاء تعريفه للحق عند تفسيره لقوله تعالى وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ
--> ( 1 ) سورة يس ، الآية 13 . ( 2 ) سورة التحريم ، الآية 10 . ( 3 ) نفس السورة ، الآية 11 . ( 4 ) سورة آل عمران ، الآية 62 .