محمد أحمد خلف الله
162
الفن القصصي في القرآن الكريم
لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ « 1 » . ثم انظر فسترى وحدة في التصميم واتفاقا في البناء والتركيب وإن اختلفت مواد البناء في بعض الأحيان . هذا المطلع في الثانية وذاك المطلع في الأولى متفقان حتى في الألفاظ والتراكيب وحتى في الخروج من الإفراد في الرسل إلى الجمع فنحن نعلم أن عادا لم يكن لها من الرسل غير هود وكذلك الحال مع قوم لوط . وهذه الخواتم في القصتين متفقة في الألفاظ والتراكيب . وهذا الجو العاطفي الذي يسود القصتين من حرص على الهداية من الرسل ذلك الحرص الذي يدفعهم إلى الاستعانة ببعض الصفات التي ترقّق العاطفة وتذيب القلب من أنه أخوهم ومن أنه الرسول الأمين الذي يبذل النصح لوجه اللّه ولا يسألهم أجرا والذي لا يطلب منهم إلا أن يتقوا اللّه ويطيعوه . أما هم فحريصون على المخالفة لا يقبلون النصح والإرشاد ويصرّون على موقفهم على ما فيه من فساد وضلال . فقوم هود لن يستجيبوا وسواء عليهم أوعظ أم لم يكن من الواعظين وقوم لوط يطلبون إليه أن يكف عن وعظه وإلا كان من المخرجين . وهكذا ترى أن الأساس الذي قام عليه بناء القصتين واحد وأن الروح التي تسود القصتين واحدة وإن اختلفت العناصر من أحداث وأشخاص وحوار في بعض الأحيان . إن السر في هذه الوحدة هو أن القصد الذي يرمي إليه القرآن من القصتين واحد وهو ذلك الذي أشار إليه في أول السورة من حرص محمد عليه السلام على هداية قومه ثم من موقفهم منه ذلك الموقف الذي لخّصته السورة في الختام . قال تعالى طسم * تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ « 2 » .
--> ( 1 ) سورة الشعراء ، الآيات 160 - 175 . ( 2 ) نفس السورة ، الآيات 1 - 4 .