محمد أحمد خلف الله

108

الفن القصصي في القرآن الكريم

ومن هنا يتطيّرون بالدعاة ويتشاءمون منهم قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قالَ طائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ « 1 » . ويعتقدون أن الرسل من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ « 2 » . والفقر لا يدفع إلى الحرص على شيء فلا مال ولا جاه ولا نفوذ ولا سلطان والفقر لا يؤدي إلى الاستقرار وإذا فلا خضوع إلى رأي بعينه ولا استقرار للتقاليد والعادات وبالجملة فالفقراء في حالة لا يحسدون عليها ولن تطلب منهم أكثر من حمد اللّه الذي لا يحمد على مكروه سواه . ( ب ) الحالة الثقافية والفكرية : إن تهيئة الأذهان لموضوع الدعوة أو المبادئ الجديدة له قيمته الفعّالة في قبول هذه الأشياء كما أن ترك النفوس غفلا والأذهان خلاء هو الذي يدفع إلى إنكار هذه المبادئ والآراء وهذا الأمر هو الذي أشار إليه القرآن حين قال تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ « 3 » . إذ الواضح من هذا النص أن الذين سيتبعونه إنما هم الذين استعدّت نفوسهم وتهيّأت عقولهم أما أولئك الذين لم تأتهم النذر أو لم تنزل عليهم الكتب فهم أبعد الناس عن الإيمان والتصديق . وليس الأمر في هذه المسألة خاصا بمن خشي الرحمن بالغيب بل هو خاص بالاستعداد أيا كان هذا الاستعداد ولذا نرى المشركين تصغي أفئدتهم لما تهيّأت له عقولهم وذلك واضح من قوله وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ

--> ( 1 ) سورة النمل ، الآية 47 . ( 2 ) سورة غافر ، الآية 26 . ( 3 ) سورة يس ، الآيات 5 - 11 .