محمد أحمد خلف الله

105

الفن القصصي في القرآن الكريم

الجديد وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ « 1 » . بل يذهبون إلى أبعد من هذا ويرون أن دخول أمثال هؤلاء الفقراء في الدين هو الذي يحول بينهم وبينه وهو الذي يمنعهم من الإيمان والتصديق قالُوا أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ « 2 » . ومن هنا نراهم يطلبون إلى الأنبياء طرد الفقراء من مجالسهم وتنحيتهم عن أن يكونوا عقبات في سبيل هؤلاء الأغنياء . وهنا يصوّر لنا القرآن رفض الأنبياء خوفا من عقاب اللّه أو حرصا على مصلحة الدعوة ونصرة الدين . وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ * إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ « 3 » ، وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ « 4 » ، وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ « 5 » . وتعليل هذه الظاهرة الاجتماعية أو هذا الموقف من كل من الأغنياء والفقراء ليس بالشاق ولا بالعسير . فالقرآن نفسه يشير إليه في أكثر من موطن ويرشد إليه كلما وجد إلى ذلك السبيل . ومن هنا تعدّدت العلل واختلفت باختلاف المواطن ولعل من أهمها ما يلي : أن الغنى يجعل أمور الناس ميسرة وحاجاتهم مقضية ويجعل من السهل عليهم الاستمتاع بما في الحياة من لذائذ وطيبات ولذا يجنح الأغنياء إلى الراحة ويخلدون إلى السكينة ويطمئنون إلى ما هم عليه من حال فلا يحاولون تغيير أوضاعهم ومن هنا لا تخفق قلوبهم بحب الإصلاح ولا تنجذب نفوسهم أو تطمئن قلوبهم إلى التجديد من الدعوات . بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ * وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ « 6 » .

--> ( 1 ) سورة هود ، الآية 27 . ( 2 ) سورة الشعراء ، الآية 111 . ( 3 ) نفس السورة ، الآيتان 114 - 115 . ( 4 ) سورة الأنعام ، الآية 52 . ( 5 ) سورة هود ، الآية 30 . ( 6 ) سورة الزخرف ، الآيتان 29 - 30 .