عمر السهروردي

396

عوارف المعارف

أحدهما : أن المشكاة تستنير بالمصباح ، فإذا صار سراج اليقين في القلب يزهر بكثرة زيت العمل بالليل ، فيزداد المصباح إشراقا ، وتكتسب مشكاة القالب نورا وضياء . كان يقول سهل بن بعد اللّه : اليقين نار ، والإقرار فتيلة ، والعمل زيت وقد قال اللّه تعالى : سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ « 1 » . وقال تعالى : مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ « 2 » . فنور اليقين من نور اللّه في زجاجة القلب ، يزداد ضياء بزيت العمل ، فتبقى زجاجة القلب كالكوب الدري . وتنعكس أنوار الزجاجة على مشكاة القالب . وأيضا يلين القلب بنار النور ، ويسرى لينه إلى القالب ، فيلين القالب للين القلب ، فيتشابهان لوجود اللين الذي عمهما . قال اللّه تعالى ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ « 3 » . وصف الجلود باللين كما وصف القلوب باللين ، فإذا امتلأ القلب بالنور ، ولأن القالب بما يسرى فيه من الأنس والسرور ، يندرج الزمان والمكان في نور القلب ، ويندرج فيه الكلم والآيات والسور ، وتشرق الأرض أرض القالب بور ربها ، إذ يصير القلب سماء ، والقالب أرضا . ولذة تلاوة كلام اللّه في محل المناجاة تستر كون الكائنات والكلام المجيد بكونه ينوب عن سائر الوجود في مزاحمة صفو الشهود ، فلا يبقى حينئذ للنفس حديث ، ولا يسمع للهاجس حسيس ، وفي مثل هذه الحالة يتصور تلاوة القرآن من فاتحته إلى خاتمته من غير وسوسة وحديث نفس ، وذلك هو الفضل العظيم .

--> ( 1 ) سورة الفتح : آية 29 . ( 2 ) سورة النور : آية 35 . ( 3 ) سورة الزمر : آية 23 .