عمر السهروردي

389

عوارف المعارف

ورجل يطالبنا بحقائق القوم من أرباب العزيمة ، فنقول له : هل ترى لنا فيما لبسنا اختيارا ، أو ترى عندنا فيه شهوة ، فيقول : لا . وقد يكون من الناس من يقدر على لبس الناعم ولبس الخشن ، ولكن يجب أن يختار اللّه له هيئة مخصوصة ، فيكثر اللجوء إلى اللّه والافتقار إليه ، ويسأله أن يريه أحب الزي إلى اللّه تعالى ، وأصلحه لدينه ودنياه ، لكونه غير صاحب غرض وهي في زي بعينه . فاللّه تعالى يفتح عليه ويعرفه زيا مخصوصا ، فيلتزم بذلك الزي ، فيكون لبسه باللّه ، ويكون هذا أتم وأكمل ممن يكون لبسه للّه . ومن الناس من يتوفر حظه من العلم ، وينبسط بما بسطه اله ، فيلبس الثوب عن علم وإيقان ، ولا يبالي بما لبسه ناعما لبس أو خشنا . وربما لبس ناعما ولنفسه فيه اختيار وحظ ، وذلك الحظ فيه يكون مكفرا له مردودا عليه ، موهوبا له ، يوافقه اللّه تعالى في إرادة نفسه ، ويكون هذا الشخص تام التزكية ، تام الطهارة ، محبوبا مرادا ، يسارع اللّه تعالى إلى مراده ومحابه . غير أن ههنا مزلة قدم لكثير من المدعين . حكى عن يحيى بن معاذ الرازي أنه كان يلبس الصوف والخلقان في ابتداء أمره ، ثم صار في آخر عمره يلبس الناعم . فقيل لأبى يزيد ذلك ، فقال : مسكين يحيى لم يصبر على الدون فكيف يصبر على التحف . ومن الناس من يسبق إليه علم ما سوف يدخل عليه من الملبوس فيلبسه محمودا فيه ، وكل أحوال الصادقين على اختلاف تنوعها مستحسنة : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا ( 84 ) « 1 » .

--> ( 1 ) سورة الإسراء : آية 84 .