عمر السهروردي

357

عوارف المعارف

وقال يحيى بن معاذ : إذا ابتلى المريد بكثرة الأكل بكت عليه الملائكة رحمة له ، ومن ابتلى بحرص الأكل فقد أحرق بنار الشهوة . وفي نفس ابن آدم ألف عضو من الشر كلها في كف الشيطان متعلق بها ، فإذا جوع بطنه ، وأخذ حلقه ، وراض نفسه ، يبس كل عضو أو احترق بنار الجوع ، وفر الشيطان من ظله . وإذا أشبع بطنه ، وترك حلقه في لذائذ الشهوات ، فقد رطب أعضاءه ، وأمكن للشيطان . والشبع نهر في النفس ترده الشياطين ، والجوع نهر في الروح ترده الملائكة ، وينهزم الشيطان من جائع نائم ، فكيف إذا كان قائما ويعانق الشيطان شبعانا قائما ، فكيف إذا كان نائما . فقلب المريد الصادق يصرخ إلى اللّه تعالى من طلب النفس الطعام والشراب . دخل رجل إلى الطيالسي وهو يأكل خبزا يابسا قد بله بالماء مع ملح جريش ، فقال له كيف تشتهى هذا ؟ قال : أدعه حتى أشتهيه . وقيل : من أسرف في مطعمه ومشربه ، يعجل الصغار والذل إليه في دنياه قبل آخرته . وقال بعضهم : الباب العظيم الذي يدخل منه إلى اللّه تعالى قطع الغذاء . وقال بشر : إن الجوع يصفى الفؤاد ، ويميت الهوى ، ويورث العلم الدقيق . وقال ذو النون : ما أكلت حتى شبعت ، ولا شربت حتى رويت ، إلا عصيت اللّه أو هممت بمعصية . وروى القاسم بن محمد عن عائشة رضى اللّه عنها قالت : كان يأتي علينا الشهر ونصف الشهر ما ندخل بيتنا نار لا لمصباح ولا لغيره .