عمر السهروردي
605
عوارف المعارف
رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان مختارا في ذلك إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل ، وكان يترك الأكل اختيارا . وقد دخلت الفتنة على قوم كلما قيل لهم إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعل كذا يقولون كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مشرعا ، وهذا إذا قالوه على معنى أنه لا يلزمهم التأسي به جهل محض ، فإن الرخصة الوقوف على حد قوله ، والعزيمة التأسي بفعله ، وقول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأرباب الرخص ، وفعله لأرباب العزائم . ثم إن المنتهى يحاكى حاله حال رسول اللّه عليه الصلاة والسلام في دعاء الخلق إلى الحلق ، فكل ما كان يعتمده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ينبغي أن يعتمده ، فكان قيام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وصيامه الزائد لا يخلو إما أنه كان ليقتدى به ، وإما أنه كان لمزيد كان يجده بذلك ، فإن كان ليقتدى به فالمنتهى أيضا مقتدى به ينبغي أن يأتي بمثل ذلك ، والصحيح الحق أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لم يفعل ذلك لمجرد الاقتداء ، بل كان يجد بذلك زيادة وهو ما ذكرناه من تهذيب الجبلة . قال اللّه تعالى خطابا له : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ « 1 » لأنه بذلك ازداد استمدادا من الحضرة الإلهية ، وقرع باب الكرم . والنبي صلى اللّه عليه وسلم مفتقر إلى الزيادة من اللّه تعالى ، غير مستغن عن ذلك . ثم في ذلك سر غريب ، وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم برابطة جنسية النفس كان يدعو الخلق إلى الحق ، ولولا رابطة الجنسية ما وصلوا إليه ولا انتفعوا به . وبين نفسه الطاهرة ونفوس الأتباع رابطة التأليف كما بين روحه وأرواحهم رابطة التأليف ، أن النفوس الفت آنفا كما أن الأرواح ألفت أولا ،
--> ( 1 ) سورة الحجر : الآية 99 .