عمر السهروردي
600
عوارف المعارف
ناقص ، ولا يحقر الوساوس وحديث النفس فإنه مضر وداء عضال ، فيطالب نفسه أن تصبر في تلاوة معنى القرآن مكان حديث النفس من باطنه . فكما أن التلاوة على اللسان هو مشغول بها ولا يمزجها بكلام آخر ، هكذا يكون معنى القرآن في القلب لا يمزجه بحديث النفس . وإن كان أعجميا لا يعلم معنى القرآن يكون لمراقبة حلية باطنه ، فيشتغل باطنه بمطالعة نظر اللّه إليه مكان حديث النفس ، فإن بالدوام على ذلك يصير من أرباب المشاهدة . قال مالك : قلوب الصديقين إذا سمعت القرآن طربت إلى الآخرة . فليتمسك المريد بهذه الأصول ، وليستعن بدوام الافتقار إلى اللّه ، فبذلك ثبات قدمه . قال سهل : على قدر لزوم الالتجاء والافتقار إلى اللّه تعالى يعرف البلاء ، وعلى قدر معرفته بالبلاء يكون افتقار إلى اللّه . فدوام الافتقار إلى اللّه أصل كل خير ، ومفتاح كل علم دقيق في طريق القوم ، وهذا الافتقار مع كل الأنفاس لا يتشبث بحركة ، ولا يستقل بكلمة دون الافتقار إلى اللّه فيها ، وكل كلمة وحركة خلت عن مراجعة اللّه والافتقار فيها لا تعقب خيرا قطعا ، علمنا ذلك وتحققناه . وقال سهل : من انتقل من نفس إلى نفس من غير ذكر فقد ضيع حاله ، وأدنى ما يدخل على من ضيع حاله دخوله فيما لا يعنيه وتركه ما يعنيه . وبلغنا أن حسان بن سنان قال ذات يوم : لمن هذه الدار ؟ ثم رجع إلى نفسه وقال : ما لي وهذا السؤال ، وهل هذه إلا كلمة لا تعنيني ، وهل هذا إلا لاستيلاء نفسي وقلة أدبها ، وآلى على نفسه أن يصوم سنة كفارة لهذه الكلمة .