عمر السهروردي

579

عوارف المعارف

فيه ، فيخرج من تصرف القبض والبسط حينئذ ، فلا يقبض ولا يبسط ما دام متخلصا من الوجود النوراني الذي هو القلب ، ومتحققا بالقرب من غير حجاب النفس والقلب ، فإذا عاد إلى الوجود من الفناء والبقاء يعود إلى الوجود النوراني الذي هو القلب ، فيعود القبض والبسط إليه عند ذلك ، ومهما تخلص إلى الفناء والبقاء فلا قبض ولا بسط . قال فارس : أولا القبض ثم البسط ، ثم لا قبض ولا بسط ، لأن القبض والبسط يقع في الوجود ، فأما مع الفناء والبقاء فلا . ثم إن القبض قد يكون عقوبة الإفراط في البسط ، وذلك أن الوارد من اللّه تعالى ، يرد على القلب فيمتلئ القلب منه روحا وفرحا واستبشارا ، فتسترق النفس السمع عند ذلك وتأخذ نصيبها ، فإذا وصل أثر الوارد إلى النفس طغت بطبعها ، وأفرطت في البسط حتى تشاكل البسط نشاطا ، فتقابل بالقبض عقوبة ، وكل القبض إذا فتش لا يكون إلا من حركة النفس وظهورها بصفتها ، ولو تأدبت النفس وعدلت ولم تجر بالطغيان تارة وبالعصيان أخرى ، ما وجد صاحب القلب القبض ، وما دام روحه وأنسه ورعاية الاعتدال الذي يسد باب القبض ملتقى من قوله تعالى : لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ . . . « 1 » . فوارد الفرح ما دام موقوفا على الروح والقلب لا يكثف ولا يستوجب صاحبه القبض ، لا سيما إذا لطف بالفرح بالوارد بالإيواء إلى اللّه ، وإذا لم يلتج بالإيواء إلى اللّه تعالى ، تطلعت النفس وأخذت حظها من الفرح ، وهو الفرح بما أتى الممنوع منه ، فمن ذلك القبض في بعض الأحايين ، وهذا من ألطف الذنوب الموجبة للقبض ، وفي النفس من حركاتها وصفاتها وثبات متعددة موجبة للقبض ، ثم الخوف والرجاء لا يعدمهما صاحب القبض والبسط ، ولا صاحب الانس والهيبة ، لأنهما من ضرورة الإيمان فلا ينعدمان .

--> ( 1 ) سورة الحديد : الآية 23 .