عمر السهروردي

572

عوارف المعارف

ووصف بعض العارفين صفة أهل المحبة الواصلين فقال : جدد لهم الود في كل طرفة بدوام الاتصال ، وآواهم في كنفه بحقائق السكون إليه ، حتى أنت قلوبهم ، وحنت أرواحهم شوقا ، وكان الحب والشوق منهم إشارة من الحق إليهم عن حقيقة التوحيد وهو الوجود باللّه ، فذهبت مناهم ، وانقطعت آمالهم عنده لما بان منه لهم . ولو أن الحق تعالى أمر جميع الأنبياء يسألون لهم ما سالوه عن بعض ما أعد لهم من قديم وحدانيته ودوام أزليته ، وسابق علمه ، وكان نصيبهم معرفتهم به ، وفراغ همهم عليه ، واجتماع أهوائهم فيه ، فصار يحسدهم من عبيدهم العموم أن رفع عن قلوبهم جميع الهموم . وأنشد في معناه : كانت لقلبى أهواء مفرقة * فاستجمعت إذ رأتك النفس أهوائى فصار يحسدني من كنت أحسده * وصرت مولى الورى مذ صرت مولائى تركت للناس دنياهم ودينهم * شغلا بذكرك يا ديني ودنيائى وقد يكون من الانس الأنس بطاعة اللّه وذكره وتلاوة كلامه ، وسائر أبواب القربات ، وهذا القدر من الانس نعمة من اللّه تعالى ومنحه منه ، ولكن ليس هو حال الأنس الذي يكون للمحبين . والانس حال شريف يكون عند طهارة الباطن ، وكنسه بصدق الزهد ، وكمال التقوى ، وقطع الأسباب والعلائق ، ومحو الخواطر والهواجس ، وحقيقته عندي كنس الوجود بثقل لائح العظمة ، وانتشار الروح في ميادين الفتوح ، وله استقلال بنفسه يشتمل على القلب ، فيجمعه به عن الهيبة ، وفي الهيبة اجتماع الروح ورسوبه إلى محل النفس . وهذا الذي وصفناه من أنس الذات وهيبة الذات كون في مقام البقاء بعد العبور على ممر الفناء ، وهما غير الأنس والهيبة اللذين يذهبان بوجود